نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14

الجزء ١٩ · صفحة ٨

فاقتضت حكمة الله أن يزيحهم عن موقف الصّدارة الدّينية وليأتي بأخرين أنقى نفوسا وأصفى معدنا ممن كان أهل الكتاب يعتبرونهم أميين لا كتاب لهم، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وقد أورد الله هنا هذا التّشبيه الديني ليبين موقف اليهود من التّوراة وقد أهملوا ما فيها من النّور والهدى ولم ينتفعوا بها في حياتهم الواقعية فشبههم بالحمار يحمل على ظهره كتبا ضخمة وليس له منها إلا التّعب والعناء، بل هم أسوأ حالا من الحمار، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ) (الأعراف:179). فما أقبح هذا التّشبيه، وما أصدقه على كل من أهمل شرع الله من كل من تحمّل أمانة الرّسالة والوحي، وليس الأمر قاصرا على اليهود، ولذلك جاء التّذييل بحكم عام يتناول كل ظالم أهمل حقوق الله وحقوق نفسه، إذ اختار سبيل الجهل والضّلال. والحمار يضرب به المثل في الجهل والبلادة، وفي الذّل والحقارة قال الشّاعر:

وليس يقوم على ضيم يراد به … إلاّ الإذلاّن: عبر الحيّ والوتد

ويوحي هذا التّشبيه ..... بلوم من ترك رسول الله قائما يخطب على المنبر في صلاة الجمعة كما يأتي في ختام السّورة. ويؤيّد ذلك ما ورد في حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة»(1).

ويردّ الله تعالى على شبهة أخرى لليهود في ادّعائهم أنهم أولياء الله من دون النّاس فقال:

(قُلْ يَآ أَيُّهَا الذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمُ أَنَّكُمُ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ):

(1) 1 - الحديث:

٥٬٨٩٨ / ٦٬٢٠١