نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٩يأمر الله رسوله أن ينادي اليهود، بيا أيها الذين هادوا والصّلة مأخوذة إما من قول موسى في دعائه: (إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ) (الأعراف:156). أي تبنا ورجعنا أو هي نسبة إلى "يهودا ابن يعقوب" يأمر الله رسوله أن يردّ على اليهود تلك الشّبهة التي طالما رددوها وهي لا تزال راسخة في معتقدهم يتوارثونها جيلا بعد جيل، وهي أنهم شعب الله المختار وأصفياؤه من دون النّاس ويصفون من سواهم بأنهم أميون: (ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75). وكم تحدى رسول الله اليهود والنّصارى إذ دعاهم إلى المباهلة حتى يتبين الضّالّ من غيره ولكنهم كانوا يمتنعون لخوفهم من الإفتضاح، وهنا يتحداهم بقوله: إن كنتم أيها اليهود تزعمون أنكم أولياء الله وأحباؤه من دون الناس وأن الجنة لكم وحدكم وأن غيركم على ضلالة فاطلبوا الموت وتعجّلوه حتى تسترحوا من تعب الدّنيا وقد ضمنتم لأنفسكم النّعيم الأبديّ إن كنتم صادقين في دعواكم، وهذا كقوله تعالى في سورة البقرة: (قُلِ اِن كانَتْ لَكمُ الدَّارُ الاَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كنتُمْ صَادِقينَ) (94). ثم فضح الله حقيقتهم وأنهم في الواقع أحرص الناس على حياة لأنهم ماديون شهوانيون فقال:
(وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداَم بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمُم بِالظَّالِمِينَ): فاليهود أجبن النّاس وأحرصهم على الحياة، لأنهم يدركون ما هم عليه من الانحراف والابتعاد عن منهج الله الذي تحتلوا أمانته فنقضوا عهد الله ونكثوا ميثاقه، والله عليم بواقعهم، وبكل طبائهم تجاوز حدوده وقد جاء نفي نيتهم للموت بالتأكيد وبصيغة المضارع لنفي أي رجاء في التغيير من سلوكهم وقيل تهديدهم بما ينتظرهم من الوعيد يقرر حقيقة الموت وما يكون بعده من الحساب والجزاء.