نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 14
الجزء ١٩ · صفحة ٣٠٥جـ) - (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا): وذلك بعد نسفها وعلقها من أماكنها فتكون هباء منبثا يخيّل للناظر أنها شيء كالسراب الذي يطنه الرائى ماء وليس إلا ضيالا يتراءى له من بعيد كقوله تعالى: (اِذَا رُجَّتِ الاَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا* فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنْبَثًّا) (الواقعة: 4 - 6).
وهكذا تتبدّى مناظر الهول الرهيب في تبدّل أوضاع الأرض والسّماء، فلا تملك الخلائق فيه مهربا من أيدي القضاء ولكنهم يوم العرض على فريقين طغاة مجرمون، وأوفياء متقون قال تعالى: (اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا* لِّلطَّاغِينَ مَئَابًا* لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا): والجملة على الاستئناف مؤكدة "بإن" للاهتمام بالخبر وقد بدأ الله بذكر جهنم لأن المقام لتهديد المكذبين بيوم البعث وصفهم الله بالطّغيان تسجيلا عليهم بتجاوز حدود الله بالكفر والعدوان، فمرجع هؤلاء جهنم تنتظرهم وتترقبهم كما يترقب الإنسان عدوّه، فهم نزلاؤها الأشقياء قال تعالى: (لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا): والأحقاب جمع: "حقب": بضمتين أي الزّمن الطّويل الذي لا –نهاية له- بمعنى تمضى عليهم الأحقاب تتوالى واحدة بعد أخرى إلى الأبد، وكون جهنم مرصادا لأولئك الطّغاة قد يكون بمعنى اسم مكان للرصد، أي ملائكة العذاب يرصدون ويترقبون من يساق إليها ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر فيكون الوصف للمبالغة حتى كأنها هي التي ترصدهم.
(لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا* اِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَاقًا* جَزَآءً وِفَاقًا): فكيف تكون أحوال الطّاغين في جهنم؟؟ … هم في أمسّ الحاجة إلى ما يقيهم من الحرّ وما يرويهم من عطش، ولكنهم محرومون من ذلك، إذ ليس إلا الماء السّاخن يقطع أمعاءهم وإلا صديد أهل النّار ما ترشح به أجسامهم، فذلك هو العذاب الموافق لذنوبهم العظيمة يقتضيه عدل الله بما كسبت أيديهم إذ كانوا: