نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٣(فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلَ اَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِى): المحاجّة هي المخاصمة والإتيان بحجّة مقابلة حجّة أخرى طلباً للاقتناع، وأكثر ما تكون المحاجّة في الباطل، وضمير الجمع في (حَآجُّوكَ) راجع إلى غير معيّن لأنّ المخاصمة تكون من أيّ ضالّ مفتن سواء من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، والمفهوم من السّياق-والله أعلم- أنّها محاجّة وفد نجران لرسول الله في شبهة ألوهية عيسى عليه السلام وقد لقّن الله تعالى لرسوله كيف يكون الجواب الحاسم لهؤلاء: (فَقُلَ اَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)، وما أبلغ التّعبير بإسلام الوجه الذي يعني الخضوع والاستسلام لطاعة الله في كلّ ما أمر به أو نهى عنه وليس هو مجرّد النّطق باللّسان أو الانتماء السّطحي لأمّة القرآن، وفي هذه الإجابة قطع للجدال العقيم مع من تكون له أفكار مسبقة لا يحيد عنها، فلا تجدي معه المناقشة ولا أسلوب الإقناع، واختيار التّعبير بـ"أسلمت وجهي" فيه إيحاء لأهل الكتاب بأحقّية الإسلام لتوافقه مع ملّة إبراهيم الذي أعلن عن مثل ذلك في قوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام:79).
وقد رشّح هذا المعنى المفسّر القدير أبو مسلم الأصفهاني بناءً على أنّ كلاًّ من اليهود والنّصارى ومشركي العرب كانوا معترفين بأحقّية دين إبراهيم عليه السلام، وفي التّوكيد بضمير الفصل واختيار وصف "الأتباع" تكريس لمعنى الاستسلام والخضوع اعتقاداً وقولاً وعملاً.