نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٢٥(إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ) … : جيء بصيغ المضارعة هنا لا لتفيد معنى التّجدّد، بل لتدلّ على استحضار الحالة الفظيعة التي كان عليها اليهود باعتبارهم مع أسلافهم أمّةً واحدة، وقد قتلوا زكرياء ويحيى كما زعموا أنّهم قتلوا عيسى عليهم السّلام.
د) - البيان والتّفسير:
على احتمال أن يكون مرجع الضّمير في (إِنْ حَاجُّوكَ) هم نصارى نجران ناسب أن يجيء هذا التّهديد لكلّ من يكفر بالله ويعرض عن الحقّ بعدما تبيّن، والكُفر هو القاسم المشترك بين المشركين وأهل الكتاب، ومن نتائجه الفظيعة قتل الأنبياء أو محاولة قتلهم كما فعل اليهود فقال تعالى: (إِنَّ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الذِينَ يَامُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ اَلِيمٍ):
من أعنت ما واجهه رسول الله وأصحابه في المدينة المنوّرة مكايد اليهود ودسائسهم. ففي هذا المقطع عرض لما درجوا عليه هم وأسلافهم من الكفر والمكر والكيد، فيهود المدينة في عصر التّنزيل، وإن لم يقتلوا بالفعل نبيّاً أو وليّاً صالحاً، فقد حاولوا ذلك مع رسول الله، ممّا يدلّ أنّ هذه المكائد قد توارثوها أباً عن جدٍّ، فهي متأصّلة في طبائعهم، وكلّ ما اقترفته أجيالهم فهم راضون به ويكون معدوداً عليهم، فقد روى أبو عبيدة بن الجرّاح أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أوّل النّهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عبّاد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النّهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية»(1)
(1) 1 – الطبري، جامع البيان، 3/ 216؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 1/ 356.