نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٦قلت: ما أروع هذه المقدمة، وهي تلخّص الغرض الذي سيقت إليه تلك القصص لربط بعثة رسول الله -وهي محل شبهة وإنكار من الخصم المجادل- ربطها بموكب المصطفين الأخيار من صفوة خلق الله في المسار البشري من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيقرّر أنهم (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) أي هم متصلون اتصال فضل ومرتبة عند الله لكونهم مستودع حكمته ونبوءته، واتصال تكامل وتآزر في رفع لواء التّوحيد ومحاربة الخرافات والأباطيل وتحرير البشرية من عبادة الطّواغيت إلى عبادة الله الواحد القهار، فهم محلّ ذلك الاصطفاء من الله كأفراد في انطلاقة الحياة البشرية على عهد آدم ونوح عليهما السّلام أو كمجموعة أسرية عبّر الله عنها بلفظ "آل" تسلسلت الحكمة والنّبوءة في ذريتها كآل إبراهيم وخاتمهم محمد عليه الصّلاة والسّلام وآل عمران وخاتمهم عيسى عليه السلام، وذكر ذلك ليكون المدخل إلى مولد مريم وعيسى في سياق محاجّة وفد نجران فقال تعالى: (اِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّيَ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): وهذا أمر الله لرسوله أن يذكر لمجادليه وذلك لموقع "اِذْ" في بداية الجملة وهو يتعلّق بفعل "أذكر" محذوفا.
والغرض من هذا الإخبار هو تذكير أهل الكتاب بتلك العلاقة الحميمة بين أنبيائهم ورسول الله محمد عليه السلام مما يقتضي الأخوّة والتآزر لا العكس، ولكن واقع أغلبهم كان خلاف ذلك، والله سميع عليم بما يعتلج في صدورهم، وها هو ذا عمران وزوجه -حنة بنت فاقوذا- وقد طال بهما الأمد ولم يرزقا وليدا تقرّ به أعينهما. ومَن غير الله للصّالح التّقي في رفع الحاجات وتحقيق الآمال بالدّعاء الخاشع والابتهال الضّارع؟؟ وهكذا استجاب الله الدّعاء فكان لامرأة عمران ذلك الحمل المبارك.