نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٨(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّيَ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ): لقد كانت امرأة عمران في ابتهالاتها لله تجري على سنن أعراف قومها في مشروعية خدمة بيت الله للذكور، ولكن حكمة الله اقتضت تغيير تلك العادة بجعل الأنثى في المسؤولية الدّينية كالذّكر سواء بسواء، والمرأة الوالدة -وهي تجد أن وليدها أنثى- وقعت في حيرة وارتباك بين الواقع المألوف، وبين ما قدّره من حكمة الله في أن يرزقها أنثى، فقالت بصيغة التّأكيد: (رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنثَى) ولنفي الشّك في علم الله جاءت هذه الجملة المعترضة في مكانها المناسب: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) ثم الجملة التّالية: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُنْثَى)، ثم تتوالى الجمل بتكرار التّأكيد: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّيَ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). كلّ ذلك ينمّ عن أسف وتحسّر لكون وليدها أنثى مع محاولة الإذعان والخضوع لحكم الله ولحكمته في ذلك.
وفي تلك الحالة النّفسية لم تنس الوالدة المؤمنة أن تتبرّك بتسمية وليدتها بمريم ومعناها في لغتها: "خادمة الرّبّ" ثم هي تلتجئ إلى الله تعالى أن يحميها من مكائد الشّيطان، وبذلك تسلمها إلى خدمة ربّها طاهرة ميمونة.