نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٠ويتكرر نداء الملائكة لمريم لمزيد من التّكريم لتجتهد في شكر الله لما أنعم عليها من الفضل والإحسان: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)، وما شكر الله من عبده المؤمن إلا التّقربّ إليه بالصّلاة والدّعاء وبالتّذلل والخضوع لجلال عظمته وهو منقطع في معبده وحده، أو مشاركته لجماعة الرّاكعين السّاجدين، ولا يراد بالرّكوع والسّجود هنا ما نقوم به في صلاتنا -نحن المسلمين- بل المقصود بهما لازمهما من التّطامن والتّذلل والخشوع وفق الصّلاة المعهودة عند اليهود، وفي هذه العبادة المطلوبة من مريم إعداد روحيّ لها واستئناس للخير الموالي في حملها لعيسى وقد جلب لها حزنا وسوء قالة بين النّاس، ولتعلم أن الله الذي قدّر لها ذلك وأراده لا يخزيها ولا يُسْلِمُها أبدا.
(ذَلِكَ مِنَ اَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمُ (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمُ (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمُ (إِذْ يَخْتَصِمُونَ): من إعجاز هذا الكتاب الكريم ومن دلائل نبوءة المنزل عليه رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم أنه يقصّ من أخبار الأمم العريقة في القدم ما قد خفي حتى على أهل الكتاب وبالأحرى أن لا يعرفها الرّسول الأمّي لو لم يكن يتلقاها من وحي السّماء، ولكن خصومه الجاحدون يضعون الشّبه تلو الشّبه على أنها أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا، إنه الجحود والعناد.