نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٢

بعد الرّد على الشّبهة الأولى التي أثارها اليهود من أن القرآن لم يكن على ملّة إبراهيم لأنّه لم يحرّم من الأطعمة ما حرّمته التّوراة، يأتي في هذه الآيات الرّدّ على شبهتهم الثّانية في تحويل القبلة عن المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام في مكّة المكرمة، فبيّن الله تعالى أن البيت الذي نستقبله في صلاتنا هو أوّل بيت بني لعبادة الله وتوحيده، بناه إبراهيم وإسماعيل، فالاتجاه إلى الكعبة هو الأصل لأنّ المسجد الأقصى بعد المسجد الحرام بقرون، قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ ءَايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ’ كَانَ ءَامِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً):

أكدت الجملة ب"ِإِنَّ" للاهتمام بالخبر وهي تقع موقع التّعليل للأمر السّابق: (فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) (آل عمران:95). فقد زعم اليهود أنهم هم ورثة إبراهيم، وأن ما جاء به محمّد لا يستقيم على نهج ملّته، فأخذوا يلفقون الشّبه ويختلقون الأكاذيب للتّشكيك والإفتان، فها هو القرآن يتصدّى لهم، ويبيّن حقيقة ما كان عليه إبراهيم بذكر صفاته من الحنيفية وعدم الإشراك بالله، وبالإخبار عن بعض مآثره وجهاده في رفع راية التّوحيد برفع قواعد البيت حيث أمره الله، فكانت الكعبة وحرمها أول بيت وضع لعبادة الله. وقد اختلف المفسرون في تحديد تلك الأولية، أهي أولية الزّمان أم الشّرف؟.

ولا مانع من الجمع بينهما في أنّه أوّل بيت للهدى وإعلان توحيد الله وعبادته بناه الأنبياء على وجه الأرض، فاكتسب بهذه الخصوصية ذلك الشّرف بشهادة الله، إذ عدّد مزاياه ثم أوجب على النّاس حجّه، ومن هذه المزايا:

٧٣٥ / ٦٬٢٠١