نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ٤٠(وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُواْ): القائل هو عبد الله بن عمر بن حرام الأنصاريّ والد جابر بن عبد الله رضي الله عنها؛ والمراد بالدّفع: أي الدّفاع عن الأهل والمال والولد، أي قاتلوا في سبيل الله لحماية الإسلام ورسوله إن كنتم مخلصين لهما، أو ادفعوا عن حرماتكم حميّة وغيرة، فكانت إجابتهم: (قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَّاتَّبَعْنَاكُمْ)، وفي هذه الإجابة ثلاث احتمالات:
أ- لم يعتبروا ذلك قتالا متكافئا لأنّ العدوّ أكثر عدّة وعددا، بل هو إلقاء بالنّفس إلى التهلكة، ولذلك رجّحوا في المشورة أن يكون الدّفاع في أزقة المدينة.
ب- أنّهم قد بلغهم أن قريشاً لا تنوي القتال فصدّقوا بذلك.
ج- أنّهم لا يحسنون القتال ويقصدون بذلك التّهكّم، وعلى كل هذه الاحتمالات فإنّ هؤلاء المنافقين قد غلب عليهم حبّ الدّنيا فآثروا القعود والتّخلّف والتمسوا تلك المبرّرات الباطلة تدليساً واستهزاءً.
(هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ اَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلاِيمَانِ): إذ أن أحوال المنافقين هي خليط من الكفر والإيمان وتناقض بين الباطن والظاهر، فدلّت أقوالهم تلك وما شوهدوا عليه من الخذلان بأنهم يُبطنون الكفر، فلا بدّ من كشف أحوالهم وإظهار كذبهم.
ومن لطائف التّعبير في هذا الموقف الحسّاس أنّ الله تعالى لم يحكم عليهم بالكفر الصّراح لاحتمال التّأويل ووجود العذر، والمنافق لا يعدم تأويلاً كما يقال، ولذلك عاملهم الرّسول معاملة المؤمنين، غير أن الله فضحهم واشتدّ عليهم في سورة التّوبة، بعد أن قوي الإسلام وتركّزت دولته في المدينة المنوّرة، وجيء بـ (يَوْمَئِذٍ) لرفع شأن ذلك اليوم في التّمييز بين الفريقين.