نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٣ · صفحة ٤٧(وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُومِنِينَ): عطف هذه الجملة على ما سبق لتعظيم ما حصل لأولئك الشّهداء أو المجاهدين الأحياء، تعظيم ما حصل لهم من الرّاحة النّفسية واللّذة الرّوحية، بأن وفقهم الله إلى إدراك فضله وعدله، بأنه لا يضيع أجر المؤمنين. ولفظ "المؤمنين" وإن جاء عامّا فهو يراد به خصوص الذين وصفهم الله بقوله: (الذِينَ اسْتَجَابُواْ للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوَاْ اَجْرٌ عَظِيمٌ).
في الجملة صفة للمؤمنين، أو هي مبتدأ خبرها هو قوله: (لِلذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ)، وهذه الصّفة تشمل من أدرك البشارة بنعمة الله وفضله، وهم رفاق أولئك الشّهداء في "أحد"، لأن الواقع التّاريخي يذكر بأن الرّسول قد دعاهم بعد الهزيمة إلى ملاحقة أبي سفيان وأصحابه إلى "الرّوحاء" في ما يسمّى بغزوة "حمراء الأسد"، وقد نوّه الله بشأنهم بأن لهم الأجر العظيم، إذ استجابوا لدعوة رسول الله على ما كانوا عليه من صدمة المصيبة وهم منهكو القوى مثخنو الجراح. وفي هذا التّنويه إشادة وتسلية وتأديب، وذلك إذا اعتبرنا أن "من" في: (مِنْهُمْ) للتّبعيض لا للتّبيين، إذ لم يخرج الجميع، لأن الرّسول قال في ندائه: «لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس»، ولم يأذن إلا لجابر بن عبد الله، إذ تخلّف عن أحد بتكليف من والده عبد الله بن حرام الأنصاريّ أن يبقى في المدينة لحراسة سبع أخوات له.(1)
(الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ (إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)
(1) 1 - أنظر الرواية بتمامها: الطبري، جامع البيان، 4/ 176؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، … 1/ 429.