نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٣كان من المناسب في استعراض أحداث "أحد" وهي تثير المواجع والأحزان، كان من بلاغة القرآن في مراعاة مقتضى الحال أن يجيء هذا التّعقيب النّديّ ليمسح غُلالة الحزن عن قلب رسول الله وهو بشر رسول، فينتابه في المواقف الصّعبة ما ينتاب البشر من الألم والحزن، وما كان رسول الله ليحزن على حظوظ نفسه ولا على متاع من الدّنيا قد فاته، ولكن حزنه كان لموقف بعض النّاس من دعوته، حين يعرضون عنه ولا يأبهون لنذارته. فهم (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) إذ هم منغمسون فيه من قبل، ليمكّنوا له في نفوس النّاس. وقيل: بأن المقصود من هؤلاء هم المنافقون، كما تعيّن ذلك من آية سورة المائدة في قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يُحْزِنكَ الذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا -امَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُومِنْ قُلُوبُهُمْ) (سورة المائدة:41). وقيل: هم قوم أسلموا فارتدّوا خوفاً من المشركين، وقيل: هم كفار قريش وفي طليعتهم أبو سفيان وأصحابه.
وقوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَنْ يَّضُرُّواْ اللهَ شَيْئاً) تعليل للنّهي، أي إنهم لا يعطّلون إرادة الله في إظهار دينه ونصرة رسوله، فهم إذ يحاربون الله لا يضرون إلا أنفسهم لأنّ القوة قوّته والمعركة معركته. ثمّ بيّن الله ذلك سنّته وحكمته في تدبير الأمور بأن سلب منهم التّوفيق، فلا هم يضرّونك بكيدهم في الدّنيا، ولا هم ينجون من عذاب الله في الآخرة إذ لا يكون لهم نصيب فيها مما ينجيهم من الهلاك. وإذ كانت مواجهتهم مع الله فهو كافيك وناصرك لأن الله غالب على أمره، ثم عمّم الله لهم العذاب فوصفه بالعظمة، أي يشملهم العذاب في الدّنيا والآخرة كما قال تعالى: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ) (التوبة:101)، ثم أكّد ذلك التّهديد بقوله: (اِنَّ الذِينَ اَشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالاِيمَانِ لَنْ يَّضُرُّواْ اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ اََلِيمٌ).