نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٤

كرّرت الجملة للتّأكيد، وقد عمّم ذكر الكفر هنا بصفة عامّة واستعار له كلمة "الاشتراء" ليدلّ على الاختيار والرّضى بالشّيء المُشترى، وفي هذا معنى زائد على ما سبق، إذ ليس كلّ من اختار لنفسه الكفر يسارع فيه كحال المرتدّين … -والعياذ بالله-، ووصف العذاب هنا بـ"الأليم" ليستكمل بذلك معاني الاستعارة، إذ يقابل بالألم تمتعهم بلذة المعاوضة، لأن المشتري يرى أن ما أخذه أنفع له مما بذله.

قد يتراءى للنّاظر أن هؤلاء الكفّار -وإن حرموا من نعيم الآخرة- فهم في الدّنيا مترفون وأصحاب قوة وجاه، قد يتمكنون من رقاب المؤمنين، فجاء هذا الرّدّ الإلهي لدفع ذلك الوهم إذ قال:

(وَلاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمُ (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)

الجملة معطوفة على ما سبق، وهي نفي عن حسبان الذين كفروا أنهم على خير في ما يتمتعون به من التّرف الدّنيويّ والقوة المادية، بل إن ذلك يجري وفق سنته تعالى في الاجتماع البشري، فليس ذلك الإمهال عناية من الله بهم، بل هو استدراج لهم ليزداد غرورهم وإثمهم بذلك فيكون أخذهم أقوى وأشدّ. ومثل هذا التّعليل يتمّ في واقع النّاس على درجات مختلفة وفق علم الله بأحوال خلقه، إذ أنّ الإنسان كلّما عمل على شاكلته ترسّخ الطّبع فيه خيرا أو شرّا، فإن الإثم داعية لإثم آخر، كما أن الخير يمدّ بعضه بعضاً، ولا يُستثنى من هذه القاعدة إلا الأقلوّن، وكم لله من شأن في خلقه.

ووصف العذاب هنا بـ"المهين" ليقابل طلبهم للعزّ والكرامة بازديادهم في الإثم، وصدق الرّسول إذ يقول: "طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وويل لمن طال عمره وساء عمله".(1) وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:

(1) 1 - رواه ابن أبي شيبة في المصنف من كلام مجاهد مرفوعا حديث 34265. 7/ 70 بدون الجملة الثانية.

٨٦٧ / ٦٬٢٠١