نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03

الجزء ٤ · صفحة ٥

- (اَيَحِْسبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) (المؤمنون:56).

- (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمُ (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (القلم:45).

وفي نهاية التّعقيب على أحداث "أحد" يجيء هذا البيان ليتعرّض إلى ما في تلك المصيبة من الحكمة والمنفعة للمؤمنين دنيا وأخرى، ومن أعظم تلك المزايا تمحيص الجماعة المسلمة ليتبيّن المؤمنون الأوفياء من المنافقين السّفهاء فقال تعالى:

(مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُومِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَنْ يَّشَآءُ فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُومِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمُ (أَجْرٌ عَظِيمٌ).

إن بقاء اللّبس في معرفة مواقف النّاس على حقيقتهم أيام الضّعف في الجماعة المسلمة إثر استقرارها في المدينة كان مناسبا لتلك المرحلة الحسّاسة، لأن المجتمع المسلم ما يزال في مراحله الأولى من تكوينه، يُكتَفى فيه بالظّواهر المنبنية على حسن الظّن والتّسامح تفاديا للانشقاق والانصداع. ففي شبه الاستقرار بالأمن المؤقت لا تنكشف طبائع الناس، لما في واجبات ذلك الظّرف من اليسر والسّهولة، لتحقيق أكبر قدر من الحق والنّفع الاجتماعيين، ولكن ذلك الواجب يتعاظم على قدر التّمكين والسّيادة والعزة. وعندها يواجه المجتمع ذلك القدر العظيم من التّكاليف ويتعرّض إلى مصائب ومحن تمحّص فيها النّفوس. وتلك هي سنن الاجتماع الإنسانيّ التي قدّر الله فيها دوره إيجاباً وسلباً.

وقد نفى النصّ أن يكون ذلك الوضع المختلط مراداً لله تعالى نفيا مؤكدا بـ"لام الجحود". والخطاب في قوله: (عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ) يرد فيه احتمالان:

٨٦٨ / ٦٬٢٠١