نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٦أ- أن يكون للمسلمين باعتبار من فيهم من المنافقين، فيكون المراد من قوله تعالى: (لِيَذَرَ الْمُومِنِينَ) الصّادقين منهم والأوفياء.
ب- أن يكون الخطاب للكافرين، أي يدع الله المؤمنين على جهل من أمر كفركم.
وقوله: (حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) غاية للجحود أي بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفيا، أي إذا حصل ذلك التّمييز بين الخبيث والطّيّب صار ذلك الوَذَرُ ممكناً.
وقوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي إن الله عز وجل هيأ لكم الأسباب لمعرفة أعدائكم بالمواجهة معهم، وتلك هي طريقة معرفتكم للأمور فإن عقولكم لا تقوى على اختراق حُجُبِ الغيب لمعرفة ما تهيّئه الأقدار مسبّقا، لأنّ شأن الله أن لا يطلع على غيبه أحدا إلاّ من ارتضاه من رسله، ولذلك جاء الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَنْ يَّشَآءُ) حتى لا يجعله المنافقون حجة على المؤمنين في نفي الوحي والرّسالة مطلقا، ثم إنزال الشّرائع على الرّسل هو في نفسه امتحان للخلق في الاتّباع وعدمه، فيتميّز بذلك الفريقان.
(فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُومِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمُ (أَجْرٌ عَظِيمٌ): وعلى احتمال أن يكون الخطاب للمؤمنين، فإن المطلوب منهم هو الدّوام على الطّاعة، والتزام الإيمان الصّادق في كل حالة، سيما في المواقف التي تشتبه فيها الأمور.
وإن كان الخطاب للكفار والمنافقين على الاحتمال الثّاني فهو دعوة إلى الإيمان ونبذ الكفر ابتداءً، وقد رتّب الله الجزاء العظيم على الإيمان والتّقوى ولزّهما في قرن واحد، ويَرِدُ ذلك كثيرا في كتاب الله لأن الإيمان الصّحيح قول وعمل كما جاء في الأثر: "الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل".(1)
(1) 1– رواه ابن أبي شيبة من قول الحسن، حديث 35211، ونصه:» إنّ الإيمان ليس بالتحلّي ولا بالتّمنّي، إنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل «.