نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٧وقد ثار في ذلك جدل كبير بين المتكلمين قديما، غير أن المحققين من العلماء اليوم يميلون إلى هذه النّظرة التّكاملية بين التّصديق القلبيّ والتّجسيد العملي للإيمان.
(وَلاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
العطف على قوله تعالى: (وَلاَ يَحْسِبَنَّ الذِينَ كَفَرُواْ) يجعل لهذه الآية الكريمة وجهاً من التّناسب بينها وبين ما سبق، إذ أن ذلك -كما يراه الإمام الرّازي- شروع في التّحريض على بذل المال بعد الانتهاء من التّحريض على بذل النّفس في الجهاد، ويرى غيره أنه عود إلى بيان حال اليهود والتّشهير بمواقفهم، ويؤيده ادّعاءهم الكاذب على الله بأنّه فقير، كما تذكره الآية اللاحقة، بينما يرجّح آخرون أنّها في شأن المنافقين، لأنّهم كانوا يبخلون ويأمرون النّاس بالبخل ويقولون: (لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ) (المنافقون:7).
وقد عمّم الله البخل في الإنفاق بقوله: (بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ) ليشمل كل أنواع الأموال زكاة كانت أم صدقة. ويرى ابن عباس أنه يشمل غير المال أيضا كالبخل بالعلم مثلا، كما يفعله اليهود في كتمانهم لما آتاهم الله.
ويؤيّد هذا العموم ما ذكره الله من الجزاء العامّ إذ قال: (سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وقد نفى الله أن يكون في البخل خير، ثم أثبت أنه شرّ بصيغة الإضراب تأكيداً للنفي، ذلك أن هؤلاء البخلاء يعتقدون أنهم يستبقون أموالهم بالبخل، إذ يلتمسون المبررات في حبس تلك الأموال عندهم حتى الموت، ويعتقدون أن بقاءها عند ورثتهم من بعدهم هو بقاء له في أيديهم، وذلك وجه الخيرية فيه باعتقادهم.