نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٥٩والوجه الثّاني مرويّ عن ابن عبّاس وبعض علماء التّابعين قال: كانت العرب تتحرّج في أموال اليتامى ولا تتحرّج في العدل بين النّساء، إذ كانوا يتزوجون العشر فأكثر، فنزلت هذه الآية لتحديد النّهاية إلى الأربع مع العدل.
الوجه الثّالث: أن الرّجل في الجاهلية يتزوّج العشر، فإذا ضاق ماله عن إنفاقهن أخذ مال يتيمته فتزوّج منه.
قلت: بين الوجوه الثلاثة قاسم مشترك في تحديد التّزوّج بالنّساء مع اشتراط العدل بينهن، ومنع إلحاق الظّلم باليتيمة من وصيّها إذا أراد الزّواج منها فيكون هذا الإرشاد الإلهي هو لمنع المظالم التي كان عليها الجاهليون في معاملة اليتامى، وفي أمر النّساء زواجا أو تسرّيا أو سفاحا وزنا.
الخطاب في الآية لجميع المكلّفين أحرارا أو عبيدا غير أن ما ورد في السّنة جعل بعض الأئمة ومنهم قطب الأئمة -رحمه الله- يحصره على الأحرار إذ يقول في تيسيره: "والخطاب لمن له ولاية على الأيتام ذكورا وإناثا، وإذا طابت له امرأة تزوّجها وليس العبد كذلك لقوله تعالى: (لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) (النحل:75)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيّما عبد تزوّج بغير إذن مولاه فنكاحه باطل"(1)، ولا يحلّ له أربع خلافا لمالك كما بسطته في الفروع".(2)
وقوله: (مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ): أي ما حسن من أحوالهن، فلا يراد نسوة طيّبات معروفة عندهم، إذ لم يقل: من طاب. وأمّا أسماء الأعداد فكل لفظ يدلّ على المكرّر من نوعه لقصد التّوزيع بإعتبار اختلاف المخاطبين في سعة الرّزق وضيقه.
(1) 1 - رواه أبو داود من حديث جابر مرفوعا: أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر، كتاب النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، حديث 2078، وأما لفظ "فنكاحه باطل" فقال أبو داود: هو موقوف من قول ابن عمر رضي الله عنهما. 2/ 228.
(2) 2 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، 3/ 135 - 136.