نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ٦٠وما يزال حكم تعدّد الزّوجات مثار جدل قديما وحديثا، بين إفراط وتفريط، وكل من تناوله بالبحث إنما يصدر عن قناعته الشّخصية تحت ضغوط المؤثرات المختلفة، تكوينا وثقافة، واستقلالا في الرّأي أو تقليدا، وحكم الله في ذلك واضح لا لبس فيه، إنّه يشرّع تعالى لعباده بما يتلاءم مع كلّ الظّروف البيئية والاجتماعية، فيتسع الحكم ويضيق وفق الظّروف وإلحاح الضّرورات المختلفة، وقد وضع الله لذلك ضوابط من الثّقة بالنّفس والتزام العدل بين الزّوجات، فقال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمُ (أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً اَوْ مَا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ) أي إن خفتم ألاّ تعدلوا بين الزّوجات أو الزّوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط من الأزواج الحرائر، أو التّسرّي بما تشاءون من الإماء، لأنه لا يشترط فيهن من العدل ما يشترط في الأزواج إلا ما يكون من حسن المعاملة لهن وكفاية نفقاتهن. والعدل المطلوب إنما يكون في النّفقة والكسوة والإيواء وفي حسن المعاشرة وترك الضّرّ مما يدخل في القدرة، دون الميل العاطفي الذي لا يملكه الإنسان أسوة برسول الله وكان يقول: "اللّهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني في ما تملك ولا أملك"(1).
(ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ): الإشارة إلى الحكم المتقدّم، وهو تعليل لما سبق -أي ذلك أقرب من عدم الجور والظّلم- كما اختار هذا المعنى أكثر المفسرين. فيكون البعد من الجور سببا في تشريع هذا الحكم، وفي ذلك تأكيد لاشتراط العدل في التّعدّد ووجوب تحرّيه كما جاء في قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) (النساء:129).
(1) 1 - رواه الترمذي من حديث عائشة، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، حديث 1140، 3/ 446.