نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 03
الجزء ٤ · صفحة ١٠٦والبيوت المستقرة عائليا لا تقوم دائما على الحبّ والموّدة، فقد يعتري العلاقات العائلية ما يكدّر صفوها أحيانا، فيفتر الحبّ بين الزّوجين لسبب من الأسباب، وهنا يبرز عنصر الرّحمة والإشفاق وهو ما تشير إليه الآية الكريمة في سورة الرّوم إذ يقول تعالى: (وَمِنَ -َايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ اَنفُسِكُمُ (أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم:21). كما يشير إليه قول رسول الله عليه السلام: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي بالآخر".(1) وقال عمر رضي الله عنه لرجل أراد أن يطلّق زوجه لأنه لا يحبّها قال له: "ويحك ألم تبن البيوت إلا على الحبّ؟ فأين الرّعاية وأين التّذمّم".
قال تعالى: (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)، وما أبلغ هذا التّفريع على الأمر السّابق بحسن المعاشرة، إذ قد يوجد سبب تسوء به وهو الكراهية -أحيانا- وبما أنها قد تكون طارئة في العلاقة الزّوجية ويدلّ على ذلك اختيار: "إِن" للجملة الشّرطية، فإنّ جواب الشّرط جاء بصيغة فعل الرّجاء: "فَعَسَى" ليعلّل مضمون الجملة، وهو إمكان أن تكون المرأة المكروهة وراءها خير كثير إن صبر عليها الرّجل، فكم لله من نعم خفية لعباده لو أنهم عرفوها لما تعجّلوا في قطع العلائق وفكّ الأواصر، ولذا فإن الخير كلّه هو في التّروّي وإعمال النّظر في العواقب، وكما قال الشّاعر:
وكم لله من أمر خفيّ … يدقّ خفاه عن فهم ذكيّ
وكم همّ تساء به صباحا … و تعقبه المسرّة بالعشي
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، حديث 1469.