أثر الخلاف المذهبي في رواية الحديث:
الجزء ١ · صفحة ١٠٥الباب الثاني : العلاقة بين المحدثين ورواة الإباضية
الفصل الأول: نظرة المحدثين إلى رواة الإباضية
أثر الخلاف المذهبي في رواية الحديث:
مما لا شك فيه أن الفتنة التي حدثت بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان قد عصفت بوحدة الأمة الإسلامية، وأحدثت شرخاً في كيانها لم يندمل أبداً، وفرقتها شيعاً وأحزاباً متناحرة متنافرة، وقد أثرت تلك الفتنة في سير رواية الحديث أثراً كبيراً، ولم يسلم من تبعاتها أحد، حتى الصحابة الذين وضعت عدالتهم موضع البحث والمساءلة بعد أن لم تكن كذلك، كما كانت الأحاديث قبل الفتنة تقبل دون تحفظ من جهة الرواة، أما بعد الفتنة فقد اختلف الأمر؛ فأصبح المسلمون يحذرون من الرواية عن بعضهم البعض، ودخل في رواية الحديث شرط جديد لم يكن موجوداً من قبل يراعى أيما مراعاة عند سماع الحديث ألا وهو الميول المذهبي، وهذا الوضع هو ما عبر عنه الإمام ابن سيرين(1) تعبيراً دقيقاً حين قال: "كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فننظر إلى أهل السنة فنأخذ حديثهم، وإلى أهل البدعة فلا نأخذ حديثهم"(2).
واستمر الحال على هذه الشاكلة، وأخذت الفجوة بين المسلمين تزداد اتساعاً بمرور الأيام، وبالغ البعض في تضخيم الأمور الهينة حتى كانوا لا يروون إلا عمن كان على مذهبهم، ولا يحدثون إلا من كان على مذهبهم، فقد روي عن زائدة بن قدامة(3) أنه كان لا يحدث أحداً حتى يشهد عنده عدول أنه من أهل السنة(4)، وقال هشام بن عمار: "لقيت شهاب بن خراش(5) وأنا
شاب فقال لي: إن لم تكن قدرياً ولا مرجئاً(6) حدثتك وإلا لم أحدثك، فقلت: ما في من هذين شيء"(7)، وقال أبو بكر بن عياش: "ما تركت الرواية عن فطر إلا لمذهبه"(8).