أثر الخلاف المذهبي في رواية الحديث:
الجزء ١ · صفحة ١٠٧وروى معاذ بن معاذ قال: "كنت عند سوّار بن عبدالله فجاء الغلام، فقال: زفر بالباب، فقال زفر الرأي، لا تأذن له! فإنه مبتدع، فقال له بعض جلسائه: ابن عمك قدم من سفر لم تأته ومشى اليك، لو أذنت له، فأذن له، فدخل فسلّم فما رأيته ردّ عليه، وأراه مدّ يده إليه، فلم يناوله يده، وما رأيته نظر إليه، حتى قام وخرج"(20).
وهجر الإمام أحمد الإمام الحارث المحاسبي(21) "وكره صحبته لمن استشاره فيها، فقيل: هجره وكره للسائل صحبته لأن المحاسبي تكلم في الوساوس والخطرات، دون استناد إلى دليل شرعي بل إلى مجرد الرأي والذوق، وقيل لأنه تكلم في شيء من مسائل علم الكلام، وكان الإمام أحمد شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً من أن يجر ذلك إلى ما لا ينبغي، وقيل: كره للسائل صحبته وصحبة أمثاله من المتكلمين في الخواطر وأحوال النفس، خشية أن يشغل بذلك عن الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك"(22 ).
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة البخاري: "سمع منه أبي(23) وأبو زرعة( 24) ثم تركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى النيسابوري(25) أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق"( 26).
هذا وقد تعدى الخلاف بين المحدثين العقائد إلى أمور فقهية فرعية فامتنع بعض المحدثين عن الرواية ممن يخالفهم الرأي في الأمور الفرعية، فقد ذكر أبو داود "أن ابن عون(27) ترك عطاء(28) وطاووساً(29) من أجل فتياهم في الصرف"(30).
وقد أثرت هذه المواقف وأمثالها أثرا كبيرا في رواية الحديث، حيث رأى كثير من الرواة أن الرواية عن المبتدع في نظرهم رضا ببدعته، وأن ترك الرواية عنه أمر مأمور به، فقد روي عن الثوري أنه قال: "من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة".
وعلى هذا النهج سار كثير من العلماء والرواة ؛ مما كان له كبير الأثر في رواية الحديث.
---------------------------------