[سورة يوسف — آية 101]
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ ﴾ أَجلسهما معه تعظيماً ﴿ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ السرير ، وعدى رفع بعلى لتضمنه معنى الإِجلاس ، أَو الحمل والرفع النقل إِلى علو ﴿ وَخَرُّوا ﴾ عجلوا كالحجر الساقط وهم أَبواه على ما مر وإِخوته لا إِخوته فقط كما قيل ﴿ لَهُ ﴾ ليوسف ﴿ سُجَّداً ﴾ بوجوههم على الأَرض كسجود الصلاة مريدين تعظيمه لا عبادته ، كان جائِزاً ثم فسخ ، أَو المراد بالسجود الانحناءُ بلا وصول للأَرض ، وذلكَ كالتحية بالقيام وتقبيل اليد ، ونهى فى شرعنا عن القيام إِعظاماً لأَحد ، أَما ليقعد فى موضع القائِم فيجوزالقيام للإِمام العدل والوالدين ، أَو سجدا بوجوههم فى الأَرض سجود عبادة لله ، واللام بمعنى إِلى ، أَى سجدوا إِلى جهته شكراً كالصلاة للكعبة تعظيماً له ، أَو الضمير لله أَى سجدوا لله ، ويدل لهذا أَنه لو كان ليوسف لكان قبل الرفع ، لكن أُخر لفظاً للاهتمام بالرفع ، ويعارضه ﴿ رأَيتهم لى ساجدين ﴾ فيجاب بأَن اللام بمعنى إِلى أَى ساجدين لله إِلى جهتى ، أَو للتعليل ، أَى ساجدين لأَجلى لله - جل وعلا - ومعنى لأَجلى لاجتماعهم بى ، وفى ذلك تفكيك الضمائر برد ضميرى رفع وأَبويه ليوسف وهاء له الله - عز وجل - وفيه رد الضمير إِلى أَقرب مذكور وهو يوسف فى ضمير رفع وضمير أَبويه ، وإِنما سجد أَبوه له ، لا هو لأَبيه مع عظيم حق الوالد ، وكذا اللام ، وقدم بنوته وكبر سنه لبلوغه فى الرغبة فى ولده حتى عمى ، وكونه هو الطالب له ويوسف فى غفلة عن تلك الرغبة ولده حتى عمى ، وكونه هو الطالب السلام ، وقيل سجدا ليتبعها أَولاده ، وأَما أَن يقال لتصدق الرؤْيا فلا يتم جواباً لأَنه يبقى أَن يقال لما جعل الرؤْيا كذلك سجود أَب لولد فلا تهم ، وأَيضاً لا تجب مقابلة الرؤيا من كل وجه ، وقيل : الواو للإخوة ومن معهم لا للأَبوين معهم ، وفيه منافاة لقوله : ﴿ أَحد عشر كوكباً والشمس والقمر ﴾ مع قوله : هذا تأْويل رؤْياى ﴿ وَقَال يَا أَبَتِ هَذَا ﴾ أَى هذا السجود ﴿ تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ ﴾ إِرجاعها إِلى ما هى عبارة عنه وتطبيقها معه ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ أَى فعل سجودكم هذا أَو حال صغر السن إِنى رأَيت أَحد عشر كوكباً إِلخ ، متعلق برؤْياى ، أَو بمحذوف حال من رؤْياى ، وذكر الدمامينى قولا بجواز تعليق الظرف بمعرفة محذوفة نعت لمعرفة أَى رؤْياى الكائنة من قبل ﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقّاً ﴾ صادقة ، ولو لم تصدق لكانت باطلا ضد الحق ، وذكر حقاً لأَنه مصدر وهو بمعنى اسم الفاعل ، أَو يقدر مضاف ذات حق ، أًو وصف لمذكر أَى أَمراً حقاً ، واختير حقاً لأَنها مقال والمقال يصدق ويكذب ﴿ وَقَدْ أَحْسنَ بِى ﴾ أَى إِلى ﴿ وأَحسن كما أَحسن الله إليك ﴾
أَو ضمن معنى لطف ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ أَى الطف بهما ، وذكر بعض أَن الإِحسان يتعدى بالباءِ بلا تأْويل وهى للإلصاق ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ أَو بمعنى وقد أَحسن فى ، أَى جعل الخير فى ، وقدر بعض أَحسن صنعه بى ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِى مِن السِّجْنِ ﴾ لم يقل إِذ أَخرجنى من الجب لأَن الأَصعب الإِلقاءُ فى البئْر ، ومقابله الإِدخال فى السجن ، وليس الكلام فى الإِلقاءِ والإِدخال بل فى اللبث ، ولا شك أَن اللبث فى السجن أَشد من اللبث فى البئر لطول مدته ومعاشرة السفهاءِ فيه والمشركين ، بخلاف مدة اللبث فى البئْر فإٍنها قصرة ومعاشرة فيها جبريل وغيره من الملائِ : ة ، وأَيضاً الإِخراج من السجن سبب للملك المتوصل هو به إلى الدعاءِ إِلى الدين ، وإِنقاذ النفوس من الهلاك بالجوع ، وأَيضاً هو إِزالة للتهمة فى شأْن امرأَة العزيز وآل به إِلى إِظهار حريته ، ولو قال : أَخرجنى من الجب لخجلوا بذكر الجب مع أَنه قد قال : ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ إِلأخ ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ البادية وهم قرويون لكن كانوا فى مواشيهم فى البادية وجاءَ بهم منها ، وقيل : كان يعقوب من أَهل البدو فإِن صح فإِنما تحول إِليها من القرية بعد التبليغ إِذ لم يبعث نبى من البدو ، وله مسجد تحت جبل باديته ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ ﴾ أَفسد ﴿ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وبَيْنَ إِخْوَتِى ﴾ لم يزل يستر عليهم إِذ عبر بعبارة لا تفصح أَنهم الظالمون بل بعبارة تقبل أَن يكون ظالما أَو هم ظالمين ﴿ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِما يَشَاءُ ﴾ مدبر لما يشاءُ من أَحوال خلقه من حيث لا يعلمون ، ولا يعجز الله شىءٌ ، وهو خالق الأَرباب ومسهل الصعاب ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بخلقه وأَحوالهم ومصالحهم ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ الفاعل للشىءِ فى وقته ومكانه وكمه وكيفه ، ومن حكمته تفريقة بين يوسف ويعقوب أَربعين عاما أَو سبعين أَو ثمانين أَو ثمانية عشر أَو اثنين وعشرين أَو ستا وثلاثين أَو خمساً وثلاثين ، وأَقام معه قبل الفرقة سبعة عشر وأَقام عنده أَبوه بعد الاجتماع أَربعة وعشرين أو سبعة عشر ، ويقال عمره حين أَلقى فى الجب سبع عشرة سنة ، وأَقام فى العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، وأَقام مع أَبيه وإِخوته وأَقاربه بعد الاجتماع ثلاثا وعشرين ، وتوفى وهو ابن مائَة وعشرين ، ويروى أَنه طاف بيعقوب على خزائِنه فرأَى خزانة القراطيس ، فقال : ما أَعقد عندك هذه القراطيس ، ولم تكتب إلى على ثمان مراحل ، قال : منعنى جبريل ، فقال : هلا سأَلته لمه؟ فقال : أَنت أَبسط إِليه منى ، فسأَله يعقوب فقال : لقولك إِنى أَخاف أَن يأكله الذئب ، ذكرت الذئْب دون الله ، ولما احتضر يعقوب أَوصى يوسف أَن يدفنه عند أَبيه إِسحاق فى الأَرض المقدسة ، فمضى به فى تابوت من ساج فوافق وصوله موت عيص أَخى يعقوب فدفنا فى قبر واحد كما ولدا فى وقت واحد من بطن واحد وعمرهما مائة وسبعة وأَربعون ، ورجع إِلى مصر وعاش بعد ثلاثا وعشرين ، وقد تم له الأَمر المر والحلو واستشعر أَنه لا بد من الموت فسأَل الله الرحمن الموت على الإِسلام واللحوق بأَهل النعيم الدائِم كما قال تعالى :
﴿ رَبِّ ﴾ يا رب ﴿ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمَلْكِ ﴾ بعض الملك ، وهو مُلك مصر ، أَو قد آتينى من الملك ملكاً عظيماً ، والمصود بالذات توفنى مسلماً وأَلحقنى بالصالحين ، ولكن قدم الثناءَ على الله والشكر على النعم السابقة توسلا بها إِلى اللاحقة ﴿ وَعلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ﴾ تفسير المرائِى أَو الكتب ﴿ فَاطِرَ السَّمَواتِ وَألأَرْضِ ﴾ صفة لرب أَو نداءَ آخر يا فاطر السموات والأَرض ﴿ أَنْتَ وَلِيَّى ﴾ متولى أُمورى وناصرى ﴿ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ تعاملنى فيهما بالنعم وإِزالة النقم ﴿ تَوَفَّنِى ﴾ أَمِتْنِى ﴿ مُسْلِماً ﴾ إِذا جاءَ أَجلى ، فهذا طلب لأَن يكون موته على الإِيلام لا طلب للموت ، قال الحسن : عاش بعد هذا الدعاءِ سنين كثيرة ، أَو توفنى الآن ، روى أَنه لم يتم الأَسبوع ، قال قتادة : لم يسأَل نبى الموت إلا يوسف ، وفى رواية عنه : لم يتمن نبى قبله الموت ، وكثير من المفسدين على هذا القول من طلب الموت فى حين لكن تمنيه الموت بعد تخيير الله له لقول عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير » ، قاله ابن مالك فى شرح المشارق عند قوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله خير عبده بين الدنيا وبين ما عنده » ، والحديث فى البخارى ومسلم ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « لا يتمنين أَحدكم الموت لضر نزل به » قيل هو نهى تنزيه ، وفى الحديث لكن يقول : « اللهم أَحينى ما كانت الحياة خيرا لى » ، وطلب الوفاة على الإِسلام مع علمه أَن كل نبى لا يموت إِلا كذلك ذهولا أَو إِظهارا للعبودية ورغبة وتعليماً للغير وانفساحاً للقلب وانشراحا واطمئنانا ﴿ وَأَلْحَقْنِى بالصَّالِحِينَ ﴾ إِبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل فى درجاتهم لا فى تدرحة الصلاح فإنه فوقها ، وهى أولى درجات المؤمن فتوفاه الله مسلماً وألحقه بهم ، وتخاصم أهل مصر فى مدفنه حتى همو بالقتال ، فاتفقوا أَن يدفن فى أعلى النيل من جهة الصعيد حتى تجرى عليهم بركته كلهم ، وجعلوه فى صندوق من رخام لا من حجر الزند ، وحمله موسى إلى الشام حين خرج من مصر وعمره مائَة وعشرون سنة ، وولد له من راعيل إفرايم وميشا جد يوشع ورحمة امرأة أيوب ، ويروى أنه جعل فى تابوت من رخام ودفن فى أَيمن النيل فأَخصب وأجدب الأيسر ، ثم دفن فى الأيسر وهو الشرقية فأَخصب وأَجدب الأيمن فدفنوه فى وسطه بالسلسة فأخصب الجانبان ، ولما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالخروج من مصر إلى الأرض المقدسة أظلمت الدنيا فأوحى الله إليه أن احمل معك يوسف ، ولم يكن علم بقبره عند أحد إلا عند عجوز ، فشرطت أن تكون لموسى زوجا فى الجنة ، فتوقف موسى فأوحى الله - عز وجل - إليه أَن قل نعم ، فأخبرته أنه فى موضع كذا من النيل فى وسطه ، وروى أنها بنت من ذرية يعقوب وأنها شرطت عليه أيضاً أَن تثبت كما شبت فدعا فكانت كلما بلغت خمسين صارت بنت ثلاثين ، وعاشت ألفا وستمائة ، فحمله موسى فى تابوته ودفنه فى الأرض المقدسة .