قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُوا۟ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَیۡنَ ذَٰلِكَ سَبِیلࣰا١١٠
الرسم الإملائيّ
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
الجزء ١٥الربع ١١٧ صفحة ٢٩٣
تفسيرها
﴿ قُلِ : ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ﴾ قيل : لما سمعه أبو جهل يقول: " يا الله يا رحمن" ، قال:" إنه نهينا أن نعبد إلهين ، وهو يدعو إلها آخر" ، نزلت. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا:" إنك لتقل ذكر الرحمن ، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم " ، فنزلت . والدعاء: بمعنى التسمية ، لا بمعنى النداء.
"أو": للتخيير، أي: سموا بهذا الاسم أو بهذا ، أو اذكروا إما هذا وإما هذا ، ﴿ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ﴾ أي هذين الاسمين ذكرتم وسميتم ، ﴿ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ الضمير في في"فله" يرجع إلى ذات الله تعالى. قوله:﴿ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ ، لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منهما ، ومعنى كونها أحسن الأسماء ، أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم.
﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ كأنه يخرج في المعنى لا تراء بصلاتك الناس ، ﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لا تتركها حياء من الناس ، والله أعلم بتأويل كتابه ، وقيل: غير ذلك ، ﴿ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ اقصد بها وجه الله ، واجعل الناس كالعدم حضورا (لعله حضروا) او غابوا ، أو معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ، ولا تخافت بها كلها ، وابتغ بين ذلك سبيلا ، بأن تجهر بصلاة الليل ، وتخافت بصلاة النهار ، قيل: لأنها عجمى.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٣٩
قوله : ﴿ قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ وذلك أن المشركين قالوا : أما الله فنعرفه ، وأما الرحمن فلا نعرفه ، فقال الله : ﴿ قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ أي : إنه هو الله وهو الرحمن .
﴿ أَيّاً مَّا تَدْعُوا ﴾ يقول أي الاسمين دعوتموه به ﴿ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ﴾ وقال : ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالْرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي ﴾ [ الرعد : 30 ] .
ذكروا عن الحسن أنه قال : الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يستطيع أحد من الخلق أن ينتحلهما .
قوله : ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾ .
قال الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بمكة ، كان يجتمع إليه أصحابه ، فإذا صلّى بهم ورفع صوته سمع المشركون صوته فآذوه . وإن خفض صوته لم يُسمع من خلفه؛ فأمره الله أن يبتغي بين ذلك سبيلاً .
وقال مجاهد : حتى لا يسمعك المشركون فيسبوك .
وقال بعضهم : كان نبي الله ، وهو بمكة ، إذا سمع المشركون صوته رموه بكل خبث ، فأمره الله أن يغض من صوته وأن يقتصد في صلاته .
وكان يقال : ما أسمعتَ أذنيك فليس بتخافت .
وذكر بعضهم قال : ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ أي : في الدعاء والمسألة .
وذكروا عن ابن عباس أنه قال : إن من الصلاة سرّاً ، وإن منها جهراً ، فلا تجهر فيما تسرّ فيه ، ولا تسرَّ فيما تجهر فيه ، وابتغ بين ذلك سبيلاً .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أبا بكر وهو يصلّي من الليل وهو يخفي صوته ، وسمع عمر وهو يجهر بصوته ، وسمع بلالاً وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة فقال لأبي بكر : لم تخفي صوتك؟ قال : إن الذي أناجي ليس ببعيد . قال : صدقت . فقال لعمر : لم تجهر بصوتك؟ قال : أرضي الرحمن وأرغم الشيطان وأوقظ الوسنان . قال : صدقت . وقال لبلال : لم تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟ قال : أخلط طيباً بطيب . قال : صدقت . فأمر أبا بكر أن يرفع من صوته ، وأمر عمر أن يخفض من صوته ، وأمر بلالاً إذا أخذ في سورة أن يفرغ منها . فأنزل الله : ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٣٩
﴿ قُلِ ﴾ يا محمد للمشركين ﴿ ادْعُوا ﴾ سموا واذكروا بنداء ولا نداء ﴿ اللهَ ﴾ لفظ الجلالة ﴿ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ لفظ الرحمن ﴿ أَيًّ مَا تَدْعُوا ﴾ أيًّا منهما تذكروا ﴿ فَلَهُ ﴾ فللمعنى بهما أى أصبتم وأحسنتم ، وناب عنه التعليل وهو قوله فله ﴿ الأسْمَاءَ الْحُسْنَى ﴾ أى أيًّا ما تذكروا أصبتم ، لأن له الأسماء الحسنى ، ومنها الاسمان ، فالضمير فى له عائد إلى واجب الوجود وهو الله ، لا لقوله : الله ، ولا لقوله : الرحمن؛ لأن المراد بهما اللفظ ، أو عائد إلى أحدهما على طريق الاستخدام ، وأو للإباحة لحصول الفضيلة فى الجمع بين ذكر الله ، أو لفظ الرحمن ، وإذا لم تحصل الفضيلة فى الجمع بين شيئين كانت للتخيير ، وما صلة لتأكيد عموم أيًّا .
قيل : سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا الله ، يا رحمن . فقالوا : ينهانا محمد أن نعبد إِلهين وهو يدعو إِلها آخر مع الله ، فنزلت الآية .
ويروى عن ابن عباس : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فجعل يقول فى سجوده : يا الله يا رحمان ، فقال أبو جهل : إِن محمداً ينهانا عن آلهتنات وهو يدعو إِلهين ، فأَنزل الله هذه الآية .
وقيل : إن اليهود قالوا : لا يكثر محمد ذكر الرحمن ، وهو كثير فى التوراة ، أى لمراعاة ما خلق الله تعالى فى موسى عليه الصلاة والسلام من الشدة ، فنزلت الآية ، وقدم لفظ الجلالة لأنه أعظم ، ومن قال لا إله إلا الرحمن محمد رسول الله لم يكفه فى التوحيد ، وإنما يكفى لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وحسن الأسماء الحسنى دلالتها على محاسن المعانى ، وصفات الجلال ، والإحسان إلى الخلق ، والحسنى اسم تفضيل كما أن الأحسن اسم تفضيل .
وعن ابن عباس : قراءة « قل ادعو الله » الآية حفظ للمنزل قرأها رجل من المهاجرين حين اضطجع ، فجمع سارق ما فى بيته ، فوجد الباب مغلقا ، فوضع المتاع فرآه مفتوحا ، فجعل يفعل ذلك ثلاثاً ، فضحك الرجل وقال : بيتى محصَّن ، قال صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يقرؤها عند منامه بين شياطين وهوام فتضره » .
﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ بقراءة صلاتك فحذف المضاف ، أو سماها باسم محلها أو الجزء باسم الكل .
﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فى الصلاة وغيرها ، وكذا غيرها نفى الجهر يسمع المشركون فيسبون القرآن ومنزله ، ومَن يقرؤه ، ويصفقون ويرفعون أصواتهم للتخليط عليهم ، ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ إِلخ وفى الخفاء به أى الإسرار أعنى ضعف الصوت ، يفوت سماع الحاضرين معك فى الصلاة أو غيرها من المسلمين .
﴿ وَابْتَغِ ﴾ اطلب واقصد ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بين المذكورين من الجهر والخفاء ﴿ سَبِيلاً ﴾ والتوسط محمود .
روى الترمذى أن أبا بكر يخفت ويقول : أناجى ربى وقد علم حاجتى وعمر يجهر ويقول : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، ويروى أنهما كانا كذلك ، وسأَلهما صلى الله عليه وسلم فقالا ما ذكر ، وبلال يقرأ من هذه السورة ، ومن هذه ، وسأَله فقال : أخلط طيبا بطيب ، فقال : « إِذا دخلت سورة فأتمها » فنزلت الآية .
وأمر الصديق ببعض الرفع ، وعمر ببعض الخفض . وقيل : لا تجهر بصلاتك كلها ، ولا تخافت بها كلها ، بل خافت بها نهاراً ، واجهر بها ليلا ، وهذا لا يناسبه كل المناسبة قوله : ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ وأيضا الفجر نهار ولا يخافت فيه .
ونقول يخافت : فى الثالثة من المغرب ، والأخيرتين من العشاء ، ولا يجهر فى ركعة فيها الفاتحة وحدها إلا بالتكبير ، والإمام يجهر بسمع الله لمن حمده فى ذلك ، ليؤخذ عنه ، والمأموم يسره فى ذلك . وعن ابن عباس : لا تخفض حتى لا تُسمع أذنيك . عن أبى هريرة : لا تُسمع أذنيك فى صلاة السر ، وأسمعهما فى صلاة الجهر ، والإمام يُسمع مَن يصلى به ما قدر ، ولا نسخ فى الآية .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٣٩