تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الإسراء

الجزء الإسراء · صفحة ٠
[سورة الإسراء — آية 110]

﴿ قُلِ ﴾ يا محمد للمشركين ﴿ ادْعُوا ﴾ سموا واذكروا بنداء ولا نداء ﴿ اللهَ ﴾ لفظ الجلالة ﴿ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ﴾ لفظ الرحمن ﴿ أَيًّ مَا تَدْعُوا ﴾ أيًّا منهما تذكروا ﴿ فَلَهُ ﴾ فللمعنى بهما أى أصبتم وأحسنتم ، وناب عنه التعليل وهو قوله فله ﴿ الأسْمَاءَ الْحُسْنَى ﴾ أى أيًّا ما تذكروا أصبتم ، لأن له الأسماء الحسنى ، ومنها الاسمان ، فالضمير فى له عائد إلى واجب الوجود وهو الله ، لا لقوله : الله ، ولا لقوله : الرحمن؛ لأن المراد بهما اللفظ ، أو عائد إلى أحدهما على طريق الاستخدام ، وأو للإباحة لحصول الفضيلة فى الجمع بين ذكر الله ، أو لفظ الرحمن ، وإذا لم تحصل الفضيلة فى الجمع بين شيئين كانت للتخيير ، وما صلة لتأكيد عموم أيًّا .

قيل : سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا الله ، يا رحمن . فقالوا : ينهانا محمد أن نعبد إِلهين وهو يدعو إِلها آخر مع الله ، فنزلت الآية .

ويروى عن ابن عباس : سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فجعل يقول فى سجوده : يا الله يا رحمان ، فقال أبو جهل : إِن محمداً ينهانا عن آلهتنات وهو يدعو إِلهين ، فأَنزل الله هذه الآية .

وقيل : إن اليهود قالوا : لا يكثر محمد ذكر الرحمن ، وهو كثير فى التوراة ، أى لمراعاة ما خلق الله تعالى فى موسى عليه الصلاة والسلام من الشدة ، فنزلت الآية ، وقدم لفظ الجلالة لأنه أعظم ، ومن قال لا إله إلا الرحمن محمد رسول الله لم يكفه فى التوحيد ، وإنما يكفى لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وحسن الأسماء الحسنى دلالتها على محاسن المعانى ، وصفات الجلال ، والإحسان إلى الخلق ، والحسنى اسم تفضيل كما أن الأحسن اسم تفضيل .

وعن ابن عباس : قراءة « قل ادعو الله » الآية حفظ للمنزل قرأها رجل من المهاجرين حين اضطجع ، فجمع سارق ما فى بيته ، فوجد الباب مغلقا ، فوضع المتاع فرآه مفتوحا ، فجعل يفعل ذلك ثلاثاً ، فضحك الرجل وقال : بيتى محصَّن ، قال صلى الله عليه وسلم : « ما من مسلم يقرؤها عند منامه بين شياطين وهوام فتضره » .

﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ﴾ بقراءة صلاتك فحذف المضاف ، أو سماها باسم محلها أو الجزء باسم الكل .

﴿ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا ﴾ فى الصلاة وغيرها ، وكذا غيرها نفى الجهر يسمع المشركون فيسبون القرآن ومنزله ، ومَن يقرؤه ، ويصفقون ويرفعون أصواتهم للتخليط عليهم ، ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ﴾ إِلخ وفى الخفاء به أى الإسرار أعنى ضعف الصوت ، يفوت سماع الحاضرين معك فى الصلاة أو غيرها من المسلمين .

﴿ وَابْتَغِ ﴾ اطلب واقصد ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بين المذكورين من الجهر والخفاء ﴿ سَبِيلاً ﴾ والتوسط محمود .

روى الترمذى أن أبا بكر يخفت ويقول : أناجى ربى وقد علم حاجتى وعمر يجهر ويقول : أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، ويروى أنهما كانا كذلك ، وسأَلهما صلى الله عليه وسلم فقالا ما ذكر ، وبلال يقرأ من هذه السورة ، ومن هذه ، وسأَله فقال : أخلط طيبا بطيب ، فقال : « إِذا دخلت سورة فأتمها » فنزلت الآية .

وأمر الصديق ببعض الرفع ، وعمر ببعض الخفض . وقيل : لا تجهر بصلاتك كلها ، ولا تخافت بها كلها ، بل خافت بها نهاراً ، واجهر بها ليلا ، وهذا لا يناسبه كل المناسبة قوله : ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ وأيضا الفجر نهار ولا يخافت فيه .

ونقول يخافت : فى الثالثة من المغرب ، والأخيرتين من العشاء ، ولا يجهر فى ركعة فيها الفاتحة وحدها إلا بالتكبير ، والإمام يجهر بسمع الله لمن حمده فى ذلك ، ليؤخذ عنه ، والمأموم يسره فى ذلك . وعن ابن عباس : لا تخفض حتى لا تُسمع أذنيك . عن أبى هريرة : لا تُسمع أذنيك فى صلاة السر ، وأسمعهما فى صلاة الجهر ، والإمام يُسمع مَن يصلى به ما قدر ، ولا نسخ فى الآية .

٢٬١٣٩ / ٦٬٢٣٦