[سورة الإسراء — آية 72]
﴿ وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ ﴾ أى فى هذه الدار الأولى ، وهى الدنيا ﴿ أَعْمَى ﴾ صفة مشبهة كأحمر وأبيض ، أى عمى القلب ، لا يبصر رشده .
﴿ فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ كأعمى البصر ، لا يجد اتفاء المضر ، فهو فى الآخرة هالك مضرور بالعذاب والنار ، كأعمى يمشى ولا يدرى أى مسلك هو فإنه يصادم الحائط ، ويقع فى الهوة ، وعلى الشوك ، وبين يدى سبع ، وعلى ما يكره ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وأما من أوتى كتابه بشماله ﴾ فهو مقابل لقوله تعالى قبل هذا : ﴿ فأما من أوتى كتابه بيمينه ﴾ إلخ أو المعنى لا يجد سبيلا لنجاة ، ولما أنزلت الآية قال ابن أم مكتوم - وهو أعمى - لرسول الله صلى الله عليه وسلم : === فى الآخرة أعمى ، فأنزل الله تعالى : ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ إلخ .
وقيل : الأعمى أعمى البصر فى الآخرة عقوبة لهم لقوله تعالى : ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ إلخ ونحشرهم يوم القيامة إلخ ، وقيل : أعمى اسم تفضيل ولو كان من العيوب ، لأنه من عيوب الباطل فلا يمتنع صوغ اسم التفضيل فيه نحو أحمق وأبله ، ولذلك قيل لم يمله أبو عمر ويعقوب ، لأن ألفه فى الوسط بمن التفضيلية ، بخلاف ما إذا كان صفة مشبهة ، فليست من التفضيلية مقدرة بعده ، ولا تسلم ما قيل : إن الإمالة لا تحسن وسطاً ، بل حسنت وكثرت ، كما فى كتب النحو والتصريف ، وعلم القراءة ، وقد أمال أعمى فى موضعين حمزة والكسائى وأبو بكر ، وقرأ ورش بين بين ، ولو كانت المتطرفة أولى بالإمالة ، لأنها تقلب فى التثنية ياء ، وأيضا من التفضيلية كلمة أخرى ، فلا يعتبرها ما بعدها وسطاً .
﴿ وَأَضَلُّ ﴾ فيها ﴿ سَبِيلا ﴾ منه فى الدنيا ، لأنه فيها يمكنه الاهتداء بخلافه فى الآخرة ، وممن هو أعمى وأضل فى الآخرة منه فى الدنيا ، من لم يتب من ثقيف وقريش النازل فيهم قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِى عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ مما لا يجوز كما طلبوه ، أما ثقيف فقالوا إذا وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف ، لا ندخل فى دينك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب ، لا نعطى زكاة الحبوب ، ولا تذهب بنا للقتال ، ونصلى بلا ركوع ولا سجود ، ونأخذ ما لنا من الربا على غيرنا ، ولا نعطى ما علينا من الربا ، وأن تخلينا واللات وسائر أصنامنا سنة ، وإِذا تمت لم نهدمها بأنفسنا ، وأن لا يقطع أحد من وادينا شجراً ولا نباتاً كالحرم ، وإن قالت العرب لِمَه؟ فقل : الله أمرنى بذلك .
وفى رواية من ذلك : شرطوا أن لا نصلى ، وفى أخرى إِذا تمت السنة مسرنا الأصنام بأيدينا ، وفى أخرى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها لنأخذ ما يهدى إليها ، ولما قالوا : لا نركع ولا نسجد ، أو لا نصلى ، قال :
« لا خير فى دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما الأصنام فإنى غير ممتعكم بها ، وأما كسؤها بأيديكم الآن فلكم » وسكت من غير ذلك كأنه رجا أن يبيحه الله عز وجل ليسلموا .
وأما قريش فقيل : قالوا : لا نمكنك من استلام الحجر حتى تستلم آلهتنا ، وروى أنا لا نؤمن حتى تطرد هؤلاء الضعفاء والموالى ، الذين أسلموا ، وتجعل آية رحمة آية عذاب ، وآية عذاب آية رحمة ، وحتى تستلم آلهتنا فقيل : سكت فطمعوا ونزل لسكوته ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ بمعنى أن ذلك كله حرام وافتراء ومناقض للوحى لا يبيحه الله ، واستلام الحجر قبل الفتح ، والسورة مكية إلا ثمانى آيات هذه أولاهن وأخراهن آية ﴿ سلطاناً نصيراً ﴾ فلا يتم منعه من استلام الحجر بعد الفتح وإن مخففة واللام فارقة ، والفتن صرفة عن الوغى .
﴿ وَإِذًَا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ لو اتبعتهم إذًا لاتخذوك خليللا ، تصير بريئا من ولايتى ، فحذف لو وبقى جوابه ، وليس جوابًا للقسم كما قيل ، لأن إجابة القسم بماض متصرف مثبت مجرد من قد ، قيل : وقد عدوا قول امرئ القيس لعنه الله :
حلفت لها بالله حلفة فاجر … لناموا وما إن من حديث ولا مالى
من الشواذ أو الضرائر .