لِّیَجۡعَلَ مَا یُلۡقِی ٱلشَّیۡطَٰنُ فِتۡنَةࣰ لِّلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ وَٱلۡقَاسِیَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِینَ لَفِی شِقَاقِۭ بَعِیدࣲ٥٣
الرسم الإملائيّ
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
الجزء ١٧الربع ١٣٥ صفحة ٣٣٨
تفسيرها
ومن كتاب الاستقامة في تأويل الآية الآتية ، فقال:" ولا يجوز التقليد ، ولا يحل في الدين إلا لأنبياء الله ورسله صلى الله عليه وسلم ﴿كذا﴾ فيما يجوز التقليد لهم من المحكم غير المتشابه ، والناسخ غير المنسوخ ، مما لا يجري على وجه الغلط منهم ، ولا مما يلقيه الشيطان على ألسنتهم ، فإنه قد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ، إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ إلى آخر القصة فصدق الله ، ونحن على تصديق قول الله من الشاهدين ، ولو كره الكافرون والمنافقون ، وتأول في ذلك المتأولون ، فنحن نؤمن بهذا من قول الله تبارك وتعالى : إنه كذلك ، وإن لا يجوز أن يقتدى به من الأنبياء والرسل ، وإن ذلك فتنة لمن اقتدى به وقبله ، وإن الله ناسخ لذلك ، كما وعد تبارك وتعالى.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤٨
قوله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى ﴾ أي : إذا قرأ ، في تفسير بعضهم . وقال مجاهد : إذا قال . وقال الكلبي : إذا حدّث نفسه .
وقال بعضهم : كان النبي قائماً في المسجد الحرام يصلّي وهو يقرأ سورة النجم؛ فلما أتى على هذه الآيات : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى وَمَنَاة الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ [ النجم : 19-20 ] ألقى الشيطان على لسانه : إنهن من الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لتُرتجى . فأعجب ذلك المشركين؛ فقرأ السورة حتى ختمها ، فسجد وسجد أهل مكة؛ المؤمنون والمشركون ، والجن والإِنس؛ فأنزل الله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلآ إِذَا تَمَنَّى ﴾ .
قال الله : ﴿ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءَايَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يعني المشركين . قال : ﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ يعني المشركين ﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أي : لفي فراق بعيد أي : إلى يوم القيامة ، يعني فراقهم عن الحق .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤٨
﴿ ليجْعَل ما يلقى الشيطانُ ﴾ أى ما يلقيه أو إلقاءه ، والإظهار لما مر لا يتعلق بألقى معنى سلط الله الشيطان بالإلقاء ، لعطف ليعلم عليه ، مع أن لإلقاء لا يصح علة له ، بل يتعلق بيحكم أو ينسخ يصح تعلقه بألقى ، ويقدر ليعلم متعلق أى وفعل النسخ والأحكام ليعلم الذين الآية ﴿ فِتْنةً ﴾ ابتلاء بالخذلان ﴿ للِّذين فى قلوبهم مرض ﴾ المشركين المضمرين الشرك فى قلوبهم ، المظهرين التوحيد بألسنتهم ، كما قال فى آية أخرى : ﴿ فى قلوبهم مرض ﴾ ﴿ والقاسية قلُوبُهم ﴾ المظهرين الشرك كأبى جهل وعتبة ، وشهر فى أحاديث كثيرة أنه قرأ صلى الله عليه وسلم : ﴿ أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى ﴾ قرأ الشيطان محاكياً لصوته : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترجى ، ويروى : ان شفاعتهن لترتجى ، وإنها لمع الغرانيق العلا ، ويروى قرأ ذلك ناعساً وما فى قلبه شىء من ذلك ، ورضى عنه المشركون وسجدوا حينئذ إذ سجد ، وانتبه لذلك أو نبهه جبريل عليه السلام . فأخبرهم بأنه لم ينطق هو ذلك ، أو أم يقصد ذلك ، وضعف البيهقى وعياض ذلك الحديث ، وذلك إما أن يتكلم به النبى صلى الله عليه وسلم وعلى آله عمداً ، وهذا لا يجوز لأنه إشراك ، وإنما بعثه الله عز وجل لإبطال الشرك والطعن فى الأصنام لا لمدحها ، وأما أن يجرى الشيطان ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم إجباراً بحيث لا يقدر أن يمتنع ، وهذا باطل ، لأنه لا قدرة للشيطان على ذلك فى حق غيره ، وكيف فى حقه صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل : ﴿ إن عِبادِى لَيس لَك عليهم سلطان ﴾ وأما أن يجرى ذلك على لسانه فى غفلة أو نوم ، وذلك لا يجوز ، لأنه يؤدى الى عدم الأعتماد على ما يقول ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ وقال سبحانه وتعالى : ﴿ إنَّا نحن نزَّنا الذكر وإنا له لحافِظُون ﴾ فلما بطلت هذه الوجوه بقى أن يقال : إنه لما تمت قراءته صلى الله عليه سلم عند قوله : ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ قال الشيطان عقبه محاكياً لصوته تلك الغرانيق الخ ، سمعوا صوته ، وقد سمع الناس فى مواضع كما قال يوم أحد : إن محمداً قد قتل ، ويوم بدر لا غالب لكم اليوم الخ وسمعوه .
﴿ وان الظالمين ﴾ هم القاسية قلوبهم ، والذين فى قلوبهم مرض وأظهر ليصفهم بالظلم ﴿ لفى شقاق ﴾ خلاف وعناد ﴿ بَعيدٍ ﴾ شديد .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦٤٨