[سورة محمد — آية 23]
﴿ أولئكَ ﴾ الأراذل المخاطبون قبل هذا ، الذين ترك خطابهم ولو بالتوبيخ الى الغيبة ، انذانا بأن قبائحهم أوجبت ترك خطابهم ﴿ الَّذين لَعنَهم الله ﴾ أبعدهم عن رحمته ﴿ فاصَمَّهم ﴾ عن استماع الحق لسوء اختيارهم ﴿ وأعْمى أبصارهُم ﴾ ابصار القلوب ، عما يشاهدون من الآيات والدلائل النفسية والأفقية ، ولم يقل أصم آذانهم ، كما قال : ﴿ أعمى أبصارهم ﴾ ولم يقل أعماهم كما قال : « أصمهم » لأن الآذان لو أصيبت بقطع أو قلع لم ينقطع السمع ، فلم يحتج الكلام الى ذكر الآذان والبصر ، وهو العين المعبر بها عن بصر القلب ، لو أصيب لم يكن النظر ، فللعين مدخل فى الابصار ، ولا مدخل للأذن فى السمع .
ويبحث بأن المراد بالأذن موضع السمع منه ، ولو قطع لامتنع السمع ، وبالبصر موضع الابصار منه ، ولو أصيب لامتنع الابصار ، ويجوز أن يقال لم يذكر الأذن ، لأن الصمم يكفى عنه ، بخلاف العمى فانه يطلق على عمى القلب ، وعلى عمى العين حقيقة فيهما ، أو مجاز فى القلب مشهور ، فحسن تقييده ، وفيه أنه قيد بالابصار ، وهو صالح لبصر القلب وبصر الوجه ، والمراد الأول معبر عنه باسم بصر الوجه ، وقيل : العمى حقيقة فى بصر الوجه ، وظهور اضمامهم فى أمر القتال أشد من ظهور عماهم فيه ل ، فكفى شدة ظهوره فيه عن ذكر الأذن ، وفى الآيات السابقة ما يؤذن بعدم انتفاهم بالدلائل المبصرة فى النفوس والآفاق ، والرحم موضع الجنين من المرأة ، سمى به القرابة لكونهم خارجين من رحم واحد ، ويقال أيضا ذو رحم ، وذوو رحم ، ويقال أرحام وذوو أرحام .
ذكر بعض أن الرحم كل من يجمع بينك وبينه نسب ، ويطلق فى الفرائض على الأقارب من جهة النساء ، ويطلق أيضا على كل قريب ليس بذى سهم ولا عصوبة ، وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب ، وعمات لآباء ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « من ملك ذا رحم محرم عتق به شامل للأبوين والأجداد والأبناء وأبناءهم » وعتقوا اجماعا للحديث المذكور ، واختلفوا فى غيرهم ، والمذهب العتق ، وذكر ابن حجر أن الأولاد من الأرحام ، وعطف الأقربين على الوالدين يقتضى عدم دخولهما فى الأقارب ، فلا يدخلون فى الأرحام ، وحقهما واجب اجماعا ، ومذهب الحنفية أن الوالدين والأولاد لا يدخلون فى القرابة والأرحام ، فلو أوصى للأقارب أو اللأرحام لم يدخلوا ، ودخل غيرهم الأقرب فالأقرب ، ولكل مقام استعمال ، فمن عبارة المذهب قول أصحابنا فى حقوق القرابة : الأرحام أو القرابة الى أربعة آباء ، وقيل وقيل ، وصحح بعض الحنفية دخولهم ، وعلل عدم الدخول بأن القريب من يتقرب الى غيره بواسطة غيره ، وتكون الجزئية بينهما منعدمة ، وأدخل محمد صاحب أبى حنيفة الجد ولد الولد ، وهو ظاهر قول أبى حنيفة وأبى يوسف صاحبه ، وذكر أن الجدة كالجد .
وقد يقال : عدم دخول الوالدين والولد للعرف ، وكذا الجد والجدة على القول بعم دخولهما ، والحنفية يجرون على العرب فى الوصية ، وكذا فى المذهب أن الوصية تجرى على العرف ، وفى الخبر : من سمى والده قريبا عقه ، فنقول ذلك لشعوره بالحط لا للغة ، كما لا ينادى باسمه ، وأما عطف الاقربين على الواليدن فتعميم بعد تخصيص فى قول الدخول ، واختار بعض المحققين أن القرابة غير الأجانب ، فيدخل الفروع والأصول والحواشى من قبل الأب ، أو من قبل الأم ، وقطع الرحم كبيرة فسق وكفر دون شرك .
والعجب ممن توفق فى كونه كبيرة كالرافعى والنووى بعده من الشافعية ، والمذهب لزوم لعن الخصوص ، قال بريدة : كنت جالساً عند عمر ، إذ سمع صائحا فسأل فقيل : جارية من قريش تباع أمها ، فدعى المهاجرين والأنصار ، فامتلأت ان دار والحجرة بغتة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه : وقال : أما بعد ، فهل تعلمون مما جاء به محمد صلى الله عليه وسم قطع الرحم؟ قالوا : لا ، قال : قد فشت فيكم وقرأ : ﴿ فهل عسيتم ﴾ الآية ، وأى قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم؟ قالوا : فاصنع ما بدالك فكتب فى الآفاق أن لاتباع أم حر ، فانه قطيعة رحم ، وانه لا يحل .
وزعم جمهور قومنا أنه لا يلعن السخص المعين ولو مشركا الا إن نص عليه فى القرآن اذ لا يدرى بم يختم له ، وهو خطأ ، واعتبار للغيب ، وترك للظاهر بلا دليل ، وترك للحديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم : « إذ دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت وبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح » وأيضا معنى لعن الشخص الدعاء عليه لا الاخبار .
وروى مسلم : أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وُسم فى وجهه ، فقال : « لعن الله من فعل هذا » ولا خصوص فيه بالشقوة ، فقد يتوب الفاعل ولا يناله الدعاء ، قال صلى الله عليه وسلم : « ستة لعنهم الله ، وكل نبى مجاب الدعوة : المحرف لكتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ، ويذل من أعز الله ، والمستحل من عترتى ، والتارك لسنتى ، المستحل لحرم الله » وأشار بالمستحل من عترتى الى نحو يزيد القاتل للحسن بن على .