التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ١٤

وقدم على الوليد في تلك السنة قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين، بت ليلةً في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي؛ فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود. وكان البعير صعباً فند. فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوزه إلا قليلاً حتى سمعت صيحة ابني، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه فنفحني برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً.

وشخص عروة إلى المدينة فأتته قريش والأنصار فقال له عيسى بن طلحة ابن عبيد الله: أبشر يا أبا عبد الله، فقد صنع الله بك خيراً، والله ما بك حاجة إلى المشي. فقال: ما أحسن ما صنع الله إلي، وهب لي سبعة بنين فمتعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحداً وترك ستة، ووهب لي ست جوارح، فمنعني بهن ما شاء، ثم أخذ واحدة ثم ترك لي خمساً: يدين ورجلاً وسمعاً وبصراً، ثم قال: اللهم لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.

وكثر الموت سنةً بالبصرة، فقيل للحسن: يا أبا سعيد، ألا ترى ؟ فقال: ما أحسن ما صنع ربنا. أقلع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.

وقال مخلد بن حمزة عن عبد الملك بن عمير قال دخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، فقال لها: يا أمه، قد خذلني الناس فما بقي معي إلا من ليس عنده من الصبر أكثر من ساعة، والقوم يعطونني ما أردت، فما رأيك ؟ قالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض على حقك، ولا تمكن غلمان بني أمية من نفسك، فقال: وفقك الله، هذا رأيي، وإني لحسن الظن بربي، فإن هلكت فلا يشتد علي جزعك، فإن ابنك لم يتعمد إتيان دنية، ولا عملاً بفاحشة، ولم يجر في حكم، ولم يسع بغدر، ولم يكن شيء آثر عنده من رضى ربه. اللهم، إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي وأنت أعلم بي، ولكني أقوله لتسلو عني.

وقال علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون: دخل عبد الله بن الزبير على أمه: فقال: كيف أصبحت يا أمه ؟ فقالت: إني لوجعه، قال: إن في الموت لراحةً. قالت: والله ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك: إما ظفرت فقرت عيني، وإما قتلت فاحتبستك، وإن أحبهما إلي أن تكون تصلي علي وتدفنني. فما دمعت عينه ولا عينها. فما ندري من أيهما نعجب.

ولقد قال: إني لا آمن إن قتلت أن أصلب، فقالت له: يا بني إن الشاة لا تألم للسلخ. فحمل على أهل الشام وهو يتمثل: الطويل

فلست بمتباع الحياة بسبّةٍ … ولا مرتقٍ من خشية الموت سلّما

قال أبو الحسن المدائني: وأخبرنا يزيد بن عياض قال: لما مات علي بن الحسين ضربت امرأته على قبره فسطاطا، فأقامت فيه حولاً ثم رجعت إلى بيتها. فسمعوا قائلاً يقول: أدركوا ما طلبوا. فأجابه مجيب: بل يئسوا فانصرفوا.

قال: وأخبرنا علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: عزى رجل عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك، فقال عمر: الذي نزل بعبد الملك أمر كنا ننتظره، فلما وقع لم ننكره.

قال: وأخبرنا بشر بن عبد الله بن عمر قال: قام عمر على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، لقد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أحب أني دعوتك فأجبتني ! وقال الأصمعي: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك وهو يجود بنفسه، فقال: كيف تجدك يا بني ؟ قال: أجدني في الموت، فاحتسبني يا أمير المؤمنين، فإن ثواب الله خير لك مني. قال: رضي الله عنك يا بني، فإنك لم تزل تسر أباك وأنت في الخرق، وما كنت قط أسر إلي منك حيث يصيرك الله في ميزاني، فرضي الله عنك وعن كل شاهد وغائب دعا لك بخير. فجعل الناس يدعون له رجاء أن يدخلوا في دعوة عمر. وعاش عمر بعده أربعين يوماً ثم هلك.

وقال الأصمعي: قال عمر: إنما الجزع قبل فوات الشيء فإذا فاتك الشيء فاله عنه.

وقال الأصمعي: كتب رجل إلى عمر يعزيه، فأجابه: إني لم أزل في صحة منه وسلامة، موطناً نفسي على فراقه. والسلام.

١٤ / ٧٩