التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والمواعظ

الجزء ١ · صفحة ١٥

وأخبرنا أبو الحسن عمن حدثه عن مسلمة قال: لما مات عبد الملك كشف أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بني، سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عمرت مسروراً بك وما أتت علي ساعة أنا بك فيها أسر مني بك من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة.

وتحدث المدائني عن سليمان بن أرقم أن عمر بن عبد العزيز قال لأبي قلابة وكان ولي غسل ابنه : إذا غسلته وكفنته فآذني به قبل أن تغطي وجهه. فنظر إليه فقال: رحمك الله يا بني وغفر لك.

وتحدث عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر عن أبيه قال: استشهد ابن لأبي أمامة الحمصي فكتب عمر إلى أبي أمامة: الحمد لله على آلائه وقضائه وحسن بلائه. فقد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة، فقد عاش بحمد الله في الدنيا مأموناً، وأفضى إلى الآخرة شهيداً، وقد وصل إليكم من الله خير كثير إن شاء الله.

وتحدث عن جعفر بن هلال بن حباب عن أبيه قال: كتب عمر إلى عماله: إن عبد الملك بن عمر كان عبداً من عبيد الله أحسن إليه وإلى أبيه فيه، أعاشه ما شاء ثم قبضه إليه. وكان ما علمت والله به أعلم خيراً، من صالحي شباب أهل بيته قراءةً للقرآن وتحرياً للخير. وأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله، فإن ذلك لا يحسن بي في إحسانه إلي، وتتابع نعمه علي. وقد قلت عند الذي كان بما أمر الله عز وجل أن أقول عند المصيبة ثم لم أجد بحمد الله إلا خيراً، ولا أعلم ما بكت عيه باكية، ولا ناحت عليه نائحة، ولا اجتمع لذلك أحد، فقد نهينا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه.

وتحدث عن محمد بن عباد أنه بلغه أن عبد الملك بن عمر لما مات، فخرج بسريره ليصلى عليه، صف عمر الناس خلفه ثم قام حيال صدره أو رأسه ثم قال: هكذا يقوم ولي الرجل من الرجل، ومن المرأة يقوم حيال وسطها. فلما صار إلى القبر دخل فيه وأخذ برأس ابنه حتى وضعه في اللحد. ثم قال: هكذا يصنع ولي الرجل بالرجل. ثم قام على قبره وجعل القبر بينه وبين القبلة. فلما رآه الناس قائماً قاموا، فقال: اجلسوا، فإنما يجب القيام على أولياء الميت.

وتحدث عن مسلمة بن عثمان أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز: هل يكون المؤمن في حالة تنزل به المصيبة فلا فلا يألم لها ؟ قال لا يا أمير المؤمنين، لا يكون أن يستوي عندك ما تحب وما تكره، أو تكون الضراء والسراء عند أحد سواء. ولكن معول المؤمن الصبر.

وقال عن عبد الله بن الأسود: لما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه. وأنشدني هذا الشعر الرياشي: الطويل

إن تك أحزانٌ وفائض عبرةٍ … أثرن دماً من داخل الجوف منقعا

تجرّعتها في عاصمٍ فاحتسبتها … لأعظم منها ما أحتسى وتجرّعا

فليت المنايا كنّ صادفن غيره … فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا

وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب يرثي أخاه محمد بن عبد الله: البسيط

أبا المنازل يا عبر الفوارس من … يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

الله يعلم أنّي لو خشيتهم … وأوجس القلب من خوفٍ لهم فزعا

لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم … حتّى نعيش جميعاً أو نموت معاً

وكان قتله في المعركة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله وهو الذي قتل إبراهيم أخاه.

وقال أبو الحسن: أخبرنا العباس بن معاوية قال: عزى محمد بن الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك عمن هو في شغل عما دخل عليك، وأعدد لما ترى عدة تكون لك جنة من الحزن وستراً من النار. فقال عمر: فهل رأيت حزناً ينكر أو غفلةً أنبه لها ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلاً ترك تعزية رجلٍ لعلمه وانتباهه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.

١٥ / ٧٩