باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢١فالنّاس بعدك قد خفّت حلومهم … كأنّما نفخت فيها الأعاصير
وقال خليد عينين يرثي المنذر بن الجارود العبدي وكانت بحرية ابنة المنذر تحت عبيد الله بن زياد، ومات المنذر بالسند في موضع يقال له قصدار: السريع
بحريّ، قومي فاندبي منذراً … وابكي ابن بشرٍ سيّد الوافدين
وأبكي أبا الأشعث لمّا ثوى … بالهند لم يقفل مع القافلين
جاور قصدار وأكنافها … تسفي عليه الرّيح مور الدّرين
في جدثٍ عافٍ، بمهجورةٍ … ناءٍ عن الزّوّار والعائدين
فأصبح المجد بها ثاوياً … بين صفاً صمٍّ وصخرٍ رزين
لله قصدارٌ وأكنافها … أيّ فتى دنيا أجنّت ودين
قد علمت نفسي فما أمترى … حقّاً سوى الظّنّ وقول اليقين
ما الحيّ والميّت فيما ترى … من حدث الدّهر وريب المنون
إلاّ كغادٍ راح أصحابه … أو رائحٍ في أثر المغتدين
مات بها الجود وأودى النّدى … وانقطع الخير عن السّائلين
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: البسيط
نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا … يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمراً عظيماً فاصطبرت له … وقمت فيهم بأمر الله يا عمرا
فالشّمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ … تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقال بكير بن معدان اليربوعي يرثي يحيى بن مبشر، وكان قتل بمسكن مع مصعب بن الزبير: السريع
صلّى على يحيى وأشياعه … ربٌّ غفورٌ وشفيعٌ مطاع
لمّا عصى المصعب أصحابه … أدّى إليه الكيل صاعاً بصاع
أمّ عبيد الله محزونةٌ … ما نومها بعدك إلا الرّواع
يا فارساً، ما أنت من فارسٍ … موطّأٍ البيت رحيب الذّراع
قوّال معروفٍ وفعّاله … عقّار مثنى أمّهات الرّباع
لا تخرج الأضياف من بيته … إلاّ وهم منه رواءٌ شباع
من يك لا ساء فقد ساءني … ترك أبينيك إلى غير راع
وحدثنا بعض جلساء القحذمي، وذكر امرأة من الأعراب، فقال: كان لها أربعة بنين، وكان يمر بها إخوة أربعة غادون لشأنهم، وكانت تأنس بهم لمشاكلتهم بنيها في العدد والأسنان، ثم أصيب بنوها جميعاً إما بطاعون أو ما يشبهه فاجتنبها الإخوة الأربعة إبقاءً عليها من الحزن إذا رأتهم، ثم عزموا عزمةً على المرور بها مرحاً وبغياً. فلما رأتهم ذرفت عيناها وتمثلت: الكامل
لن يلبث القرناء أن يتفرّقوا … ليلٌ يكرّ عليهم ونهار
فاعتل أحدهم فمات، فغبر الثلاثة لا يقربونها، ثم فعلوا فلما رأتهم تمثلت: السريع
كلّ بني أمٍّ وإن أكثرت … يوماً يصيرون إلى واحد
فلم يلبث واحد منهم أن مات. وغبر الاثنان لا يقربانها، ثم اجتازا بها على نحو ما فعلوا من المرح والدالة، فلما رأتهما قالت: الوافر
وكلّ أخٍ مفارقه أخوه … لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
فمات أحدهما فاجتنبها الباقي دهراً. ثم مر بها فتمثلت: السريع
والواحد الفرد كمن قد مضى … ليس بمتروكٍ ولا خالد
فقال: أقيليني جعلني الله فداك، فإني والله غير عائد.
قال أبو العباس: وهذان بيتان قديمان لا يعرف قائلهما. ويروى أن أبا بكر الصديق رحمه الله كان ينشدهما، فبعض الناس يقول: هما له: مجزوء الكامل
تنفكّ تسمع ما حيي … ت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجا … ء مغيّباً والموت دونه
وقال وضاح اليمن: المنسرح
يا موت ما إن تزال معترضاً … لآملٍ دون منتهى الأمل
لو كان من فرّ منك منفلتاً … إذن لأوشكت رحلة الجمل
وقال معن بن أوس المزني: الطويل
ألم تعلمي عمراً وسفيان بعده … وضمرة أمسى فاتني ومسافع
أولئك لا أنتنّ كانوا فوارسي … بهم كنت أستخشي العدا وأدافع