التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والتعزي في الأشعار

الجزء ١ · صفحة ٢٢

فأصبحت أرقي الشّامتين رقاهم … ليربو طفلٌ أو ليجبر ظالع

وصانعت في أشياء لو أنّهم معي … لباعدت حتّى تستقيد التّوابع

قال: وحدثني الرياشي في إسناد قال: أنشد عروة بن الزبير قوله بهم كنت أستخشي العدا وأدافع، فقال عروة: فهلاً قال: فبالله، أستخشي العدا وأدافع ولا ينكسر عليه شعره قال الرياشي: وأنشد عبد الله بن عمر قول حسان بن ثابت: المنسرح

يأبى لي السّيف واللّسان وقو … مٌ لم يضاموا كلبدة الأسد

فقال: هلا قال: يأبى لي الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال محمد بن حرب الهلالي: أتى حيان بن سلمى العامري قبر عامر بن الطفيل ولم يكن شهده فقال: أنعم صباحاً أبا علي، والله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من من النجم، وأجرأ من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن يصيروا قبر أبي علي ميلاً في ميل.

وقال محمد بن علي المنسوب إلى أمه الحنفية: أيها الناس، إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوماً جديداً من عمره إلا بآخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أم أية شربة ليس معها شرق ؟ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة، وغداً لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر، يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها. فما بقاء الفرع بعد أصله ؟ أين الذين كانوا أطول منا أعماراً وأبعد منا آمالاً ؟ أتاك يا بن آدم ما لا ترده، وذهب عنك ما لا يعود إليك. فلا تعدن عيشاً منصرفاً عيشاً مالك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من أجلك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك، ودع ما سواها، واستغن بالله يغنك.

ومما يستحسن من قول متمم بن نويرة الدال على صحة عقله وتمكن الحزن من قلبه، وقلة نسيانه أخاه، أنه كان لا يمر بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته، ففي ذلك يقول: الطويل

وقالوا أتبكي كلّ قبرٍ رأيته … لقبرٍ ثوى بين اللّوى والدّكادك

فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا … ذروني فهذا كلّه قبر مالك

ومن هذه المختصرات قول هشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وكان له إخوة جماعة فمات أكبرهم، وكان يقال له: أوفى ثم مات ذو الرمة، وكان يقال له: غيلان فقال هشام: الطويل

تسلّيت عن أوفى بغيلان بعده … عزاءً وجفن العين بالماء مترع

ولم تنسني أوفى المصيبات بعده … ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع

فاختصر هذا اختصاراً يوفر على كل واحد منهما نصيبه من الحزن.

ويروى من غير وجه أن حسان بن ثابت دخل على النابغة الذبياني فتلقته الخنساء خارجةً من عنده، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: الكامل

أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية الكريم المفضل

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم … لا يسألون عن السّواد المقبل

فقال: إنك لشاعر وإن أخت بني سليم لبكاءة.

قال أبو العباس: فمما قدمناه من شعرها واستحسناه من تخلصها قولها: المتقارب

أعينيّ جودا ولا تجمدا … ألا تبكيان لصخر النّدى ؟

ألا تبكيان الجريء الجميل … ألا تبكيان الفتى السّيّدا ؟

فجعلته ساد حدثاً ووكدت ذلك وزادت فيه وأوضحته بأن قالت:

طويل العماد عظيم الرّما … د ساد عشيرته أمردا

إذا القوم مدّوا يأيديهم … إلى المجد مدّ إليه يدا

فنال الّذي فوق أيديهم … من المجد ثمّ نما مصعدا

يكلّفه القوم ما عالهم … وإن كان أصغرهم مولدا

ترى المجد يهوي إلى بيته … يرى أفضل الزّاد أن يحمدا

فقرنت له المجد بالحمد.

ويقال: بل صح أنه كان من دعاء سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج : اللهم ارزقني مجداً وحمداً فإنه لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال.

٢٢ / ٧٩