باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢٣وكان سبب ميتة أخيها صخر أنه شهد حرباً فأبلى فيها وتقدم، فحمل عليه رجل من القوم فطعنه في خاصرته، فتحامل في الجراحة فجوي منها ولم يفصد فخرج منها كمثل اليد، وأضنته حولاً أو حولين لا ينبعث، فسمع من يسأل امرأته عن علته، وأين بلغت منه، فقالت امرأته قولاً يدل على البرم به، والملل لصحبته: لا حي يرجي، ولا ميت فيحتسب.
والتفت إلى أمه فإذا دموعها تجري فقال: الطويل
أرى أمّ صخر ما تجفّ دموعها … وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةً … عليك، ومن يغترّ بالحدثان
فأيّ أمريءٍ ساوى بأمٍّ حليلةً … فلا عاش إلاّ في شقاً وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائماً … وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنّزوان
فلما رأى ذلك برم بتلك الخراجة من جنبه، فأشاروا بقطعها ففعل، فلما قطعها يئس من نفسه، ففي ذلك يقول: الطويل
أجارتنا إنّ المنون قريب … من النّاس كلّ المخطئين تصيب
كأنّي وقد أدنوا إليّ شفارهم … من البزل أحوى الصّفحتين نكيب
أجارتنا لا تسأليني فإنني … مقيمٌ لعمري ما أقام عسيب
قال أبو عبيدة: وعسيب: جبل معروف، فقبره هناك معروف المكان.
قوله من البزل: يعني: كأني بعير قرم من الإبل قد كوي لداء به، فيقول: أحللت ذاك المحل لقطع ذلك اللحم وكيه، وجعله أحوى الصفحتين، وهما الجنبان، لتتابع الهناء عليه ضناً به والنكيب والأنكب واحد، وهو الحامل، وذلك مما يوصف به الفحل أنه يحمل نشاطاً وتكبراً.
وكانت الخنساء تقول الأبيات اليسيرة، فلما أصيبت بأخيها صخر جدت وأجادت، وجمعت نفسها وشهرت. فمما يستحسن من شعرها قولها في قصيدة أولها: البسيط
يا عين جودي بدمعٍ منك تغزار … وأبكي لصخرٍ بدمعٍ منك مدرار
وقولها
إنّي أرقت فبتّ اللّيل ساهرةً … كأنّما كحلت عيني بعوّار
والعوار والعائر سواء، وهو المستأخذ، أشد الرمد وأغلبه، كما قال القائل: البسيط
بأعينٍ لم يصبها عائر الرّمد
وكما قال الراعي: البسيط
غضّاً كما نظر المستأخذ الرّمد
أرعى النّجوم وما كلّفت رعيتها … وتارةً أتغشّى فضل أطمار
إنّي سمعت فلم أبهج به خبراً … مخبّراً جاء ينثو جمع أخبار
قالوا: ابن أمّك أمسى في الضّريح وقد … شدّوا عليه بأعوادٍ وأحجار
اذهب فلا يبعدنك الله من رجلٍ … ترّاك ضيمٍ وطلاّبٍ بأوتار
قد كنت تحمل قلباً غير مؤتشبٍ … مركّباً في نصابٍ غير خوّار
الخوار: الضعيف.
وحدثني رجل من بني هاشم عن سعيد بن سلم الباهلي. قال: كنت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد في سفر، فسأل عما حمل معه من الثلج، فاستقل ما ذكر له فاغتاظ واحتد، فتركته حتى سكن غربه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إني أقول كلاماً والله ما أريد به ملقاً ولا تنبيهاً على نفسي لأني فطنت إلى ما لم يفطن إليه من سواي، وما أقوله إلا بالنصيحة المحضة. فقال: هات. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قسمت الدهر شطرين، شطراً للحج، وشطراً للغزو؛ والمسافر يرد على ضروب من المياه، وسفرك أكثر من حضرك، فلو أن أمير المؤمنين عود نفسه الخشونة شيئاً فمتى احتاج إليها لم تنكرها النفس لتلك العادة. قال: فأطرق ثم قال: يا سعيد، بنصح قلت: ولكنا نلبس العافية ما لبستنا، فإن اضطررنا رجعنا إلى أصل غير خوار.
رجع الشعر
مثل السّنان كضوء البدر صورته … جلد المريرة حرٌّ وابن أحرار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقةٌ … وما أضاءت نجوم اللّيل للسّاري
ولن أسالم قوماً كنت حربهم … حتّى تعود بياضاً حلكة القار
أبلغ خفافاً وعوفاً غير تقصرةٍ … عميد قومٍ نداءً غير أسرار
والحرب قد سعرت حرباً مذكّرةً … شهباء تفري بأنيابٍ وأظفار