التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من التعازي والتعزي في الأشعار

الجزء ١ · صفحة ٢٥

أقذىً بعينك أم بالعين عوّار … أم أوحشت أن خلت من أهلها الدّار

وينشد بعضهم: قذىً بعينك، وهو أقوم للبيت، وزيادة الألف في قولها: أقذىً ؟ أبلغ. ولا ضرورة فيه ولكنه مخزوم.

تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ثكلت … ودونه من جديد التّرب أستار

لا بدّ من ميتةٍ في صرفها غيرٌ … والدّهر في صرفه حولٌ وأطوار

يا صخر ورّاد ماءٍ قد تناذره … أهل المياه فما في ورده عار

وهذا بيت يسأل عنه كيف تناذره أهل المياه ولا عار فيه. فالمعنى أنها تعني الموت.

مشي السّبنتى إلى هيجاء معضلةٍ … له سلاحان: أنيابٌ وأظفار

يقال لكل جريء الصدر: سبندى وسبنتى بالتاء والدال، والأغلب عليه النمر.

عبل الذّراعين قد تخشى بوادره … عند الوقيعة للأقران هصّار

فما عجولٌ على بوٍّ تطيف به … لها حنينان: إعلانٌ وإسرار

ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت … فإنّما هي إقبالٌ وإدبار

يوماً بأوجد منّي حين فارقني … صخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرار

وإنّ صخراً لوالينا وسيّدنا … وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار

وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به … كأنّه علمٌ في رأسه نار

العلم ها هنا: الجبل، وكذلك قال المفسرون في قول الله جل وعز: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام. ومنه قول جرير: الرجز

إذا قطعن علماً بدا علم

طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرٍ … ضخم الدّسيعة في الّلأواء صبّار

مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبته … كأنّ تحت طيّ اليرد أسوار

ليبكه مقترٌ أفنى حلوبته … دهرٌ وحالفه بؤسٌ وإقتار

ورفقةٌ حار هاديهم بمهلكةٍ … كأنّ ظلمتها في الطّخية القار

لم تره جارةٌ يمشي بساحتها … لريبةٍ حين يخلي بيته الجار

فقولها: كأنه علم في رأسه نار أحد ما قدمت به.

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما رضيت أن تجعليه علماً حتى جعلت في رأسه ناراً. ذاك رسول صلى الله عليه وسلم، يريد: البيان والدلالة.

وقال عمر في قول الخطيئة: الطويل

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نارٍ عندها خير موقد

كذب الخطيئة. تلك نار موسى صلى الله عليه وسلم. وهذا من نوادر الشعر.

وقالت أيضاً: الوافر

كأنّ العين خالطها قذاها … بعوّارٍ فما تقضي كراها

على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرٍ … إذا ما النّاب لم ترأم طلاها

قولها إذا ما الناب لم ترأم طلاها: الطلا: الصغير من أولاد الوحش والنعم، ويقال ذلك في الآدميين، وإنما تريد زمن الصر والبرد.

حلفت بربّ صهبٍ معملاتٍ … إلى البيت المحرّم منتهاها

لئن جزعت بنو عمروٍ عليه … لقد رزئت بنو عمروٍ فتاها

فتى الفتيان ما يعلى مداه … ولا يكدي إذا بلغت كداها

يقال: أكدى، إذا أقل، وأصل ذلك في البئر تحفر، فإذا بلغ منها إلى حجر أو كدن استصعب على الحافر. وقيل: قد بلغت كديتها وجمعها كدى فلا يخرج من التراب إلا اليسير، فلذلك قيل للذي يعطي قليلاً: أكدى. قال الله جل وعز: وأعطى قليلاً وأكدى. فقالت: إذا بلغ الجهد من الناس لم يكن عطاؤه قليلاً ولا نزراً.

له كفٌّ يشيد بها وكفٌّ … تحلّب ما يجفّ ثرى نداها

فمن للضّيف إن هبّت شمالٌ … مزعزعةٌ يجاوبها صباها

وألجأ بردها الأشوال حدباً … إلى الحجرات بارزةً كلاها

يقول: لا شحم عليها.

هنالك لو نزلت بآل صخرٍ … قرى الأضياف شحماً من ذراها

هذا على مخاطبتين. قالت: هنالك لو نزلت للذي تخاطبه ثم خبرته فقالت: قرى الأضياف فتأويل هذا على ضربين، أحدهما على حذف المفعول كأنها قالت: لو نزلت به لرأيته يقري الأضياف، ويكون على أنها جعلته وغيره على مخاطبتين، تتحول من إحداهما إلى الأخرى كقول الله عز وجل: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة، وكقول عنترة: الكامل

٢٥ / ٧٩