باب من التعازي والتعزي في الأشعار
الجزء ١ · صفحة ٢٥أقذىً بعينك أم بالعين عوّار … أم أوحشت أن خلت من أهلها الدّار
وينشد بعضهم: قذىً بعينك، وهو أقوم للبيت، وزيادة الألف في قولها: أقذىً ؟ أبلغ. ولا ضرورة فيه ولكنه مخزوم.
تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ثكلت … ودونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتةٍ في صرفها غيرٌ … والدّهر في صرفه حولٌ وأطوار
يا صخر ورّاد ماءٍ قد تناذره … أهل المياه فما في ورده عار
وهذا بيت يسأل عنه كيف تناذره أهل المياه ولا عار فيه. فالمعنى أنها تعني الموت.
مشي السّبنتى إلى هيجاء معضلةٍ … له سلاحان: أنيابٌ وأظفار
يقال لكل جريء الصدر: سبندى وسبنتى بالتاء والدال، والأغلب عليه النمر.
عبل الذّراعين قد تخشى بوادره … عند الوقيعة للأقران هصّار
فما عجولٌ على بوٍّ تطيف به … لها حنينان: إعلانٌ وإسرار
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت … فإنّما هي إقبالٌ وإدبار
يوماً بأوجد منّي حين فارقني … صخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرار
وإنّ صخراً لوالينا وسيّدنا … وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به … كأنّه علمٌ في رأسه نار
العلم ها هنا: الجبل، وكذلك قال المفسرون في قول الله جل وعز: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام. ومنه قول جرير: الرجز
إذا قطعن علماً بدا علم
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرٍ … ضخم الدّسيعة في الّلأواء صبّار
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبته … كأنّ تحت طيّ اليرد أسوار
ليبكه مقترٌ أفنى حلوبته … دهرٌ وحالفه بؤسٌ وإقتار
ورفقةٌ حار هاديهم بمهلكةٍ … كأنّ ظلمتها في الطّخية القار
لم تره جارةٌ يمشي بساحتها … لريبةٍ حين يخلي بيته الجار
فقولها: كأنه علم في رأسه نار أحد ما قدمت به.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما رضيت أن تجعليه علماً حتى جعلت في رأسه ناراً. ذاك رسول صلى الله عليه وسلم، يريد: البيان والدلالة.
وقال عمر في قول الخطيئة: الطويل
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نارٍ عندها خير موقد
كذب الخطيئة. تلك نار موسى صلى الله عليه وسلم. وهذا من نوادر الشعر.
وقالت أيضاً: الوافر
كأنّ العين خالطها قذاها … بعوّارٍ فما تقضي كراها
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرٍ … إذا ما النّاب لم ترأم طلاها
قولها إذا ما الناب لم ترأم طلاها: الطلا: الصغير من أولاد الوحش والنعم، ويقال ذلك في الآدميين، وإنما تريد زمن الصر والبرد.
حلفت بربّ صهبٍ معملاتٍ … إلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمروٍ عليه … لقد رزئت بنو عمروٍ فتاها
فتى الفتيان ما يعلى مداه … ولا يكدي إذا بلغت كداها
يقال: أكدى، إذا أقل، وأصل ذلك في البئر تحفر، فإذا بلغ منها إلى حجر أو كدن استصعب على الحافر. وقيل: قد بلغت كديتها وجمعها كدى فلا يخرج من التراب إلا اليسير، فلذلك قيل للذي يعطي قليلاً: أكدى. قال الله جل وعز: وأعطى قليلاً وأكدى. فقالت: إذا بلغ الجهد من الناس لم يكن عطاؤه قليلاً ولا نزراً.
له كفٌّ يشيد بها وكفٌّ … تحلّب ما يجفّ ثرى نداها
فمن للضّيف إن هبّت شمالٌ … مزعزعةٌ يجاوبها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدباً … إلى الحجرات بارزةً كلاها
يقول: لا شحم عليها.
هنالك لو نزلت بآل صخرٍ … قرى الأضياف شحماً من ذراها
هذا على مخاطبتين. قالت: هنالك لو نزلت للذي تخاطبه ثم خبرته فقالت: قرى الأضياف فتأويل هذا على ضربين، أحدهما على حذف المفعول كأنها قالت: لو نزلت به لرأيته يقري الأضياف، ويكون على أنها جعلته وغيره على مخاطبتين، تتحول من إحداهما إلى الأخرى كقول الله عز وجل: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة، وكقول عنترة: الكامل