التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

رحمه الله

الجزء ١ · صفحة ٣٠

قال: فلما دخل على معاوية خلا به وأخرج عنه أهل بيته وقال: يا بني قد جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي، ما أنت صانع بهذه الأمة بعدي ؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك. قال يزيد: آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردة ومضى والأمة عنه راضون ؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي مصر الأمصار وجند الأجناد، وفرض الأعطية، وجبى الفيء وقاتل العدو، ومضى والأمة عنه راضون ؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه عليه السلام، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمك عثمان بن عفان الذي أكل في حياته، وورث في مماته، واحتمل الوزر على ظهره ؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به واقتلهم عليه. قال: يا يزيد، انقطع منك الرجاء وأظنك ستخالف هؤلاء جميعاً فتقتل خيار قومك وتغزو حرم ربك بأشابات الناس فتطعمهم لحومهم بغير الحق فتدركك ميتة فجاءة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت. يا يزيد أما إذا لم تصب الرشد فإني قد وطأت لك الأمور، وذللت لك أهل العز، وأخضعت لك رقاب العرب، وكفيتك الرحلة والترحال، وجمعت لك ما لم يجمعه واحد، وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا ثلاثة نفر: الحسين ابن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وتخلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن. وما أظنه يقاتل عليها إلا أن تأتيه عفواً. وأما الذي يجثم جثوم الأسد ويروغ روغان الثعلب، فإن أمكنته الفرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعل فاستمكنت منه فقطعه إرباً إرباً إلا أن يلتمس منك صلحاً، فإن فعل فاقبل منه واحقن دماء قومه تقبل قلوبهم إليك. وأما الحسين بن علي فإن له رحماً وحقاً وولادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أظنه أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت عليه فاصفح عنه. فإني لو كنت صاحبه صفحت وعفوت عنه قم عني. وصلى عليه عمرو بن العاص.

وصية أبي عبيدة بن الجراح

تحدث لوط بن يحيى أبو مخنف قال: لما طعن أبو عبيدة بن الجراح بالأردن وبها قبره دعا من حضره من المسلمين فقال: إني أوصيكم بوصية إن قبلتموها لم تزالوا بخير: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا وحجوا واعتمروا، وتواصلوا، وانصحوا لأمرائكم ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرءاً لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مثل مصرعي هذا الذي ترون. إن الله كتب الموت على بني آدم، فهم ميتون، وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم ميعاده. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. يا معاذ بن جبل، صل بالناس.

ومات رحمه الله، فقام معاذ بن جبل إلى الناس فقال: يا أيها الناس، توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحا، فإن عبداً لا يلقى الله تائباً من ذنبه إلا كان حقاً على الله أن يغفر له. من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجراً أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي أن يهجر أخاه أكثر من ثلاث، والذنب في ذلك عظيم. إنكم، أيها المسلمون، قد فجعتم برجل ما أزعم أني رأيت عبداً أبر صدراً، ولا أبعد من الغائلة وأشد حباً للعافية، ولا أنصح للعامة منه. فترحموا عليه رحمه الله، ثم احضروا للصلاة عليه.

قال: ولما احتضر معاذ بن جبل قال لوط بن يحيى: حدثنا الصعب ابن زهير عن شهر بن حوشب قال: أتى آت معاذ بن جبل عند موته فقال: يا معاذ، أوصني بما ينفعني قبل أن تفارقني، فلعلي أحتاج إلى سؤال الناس بعدك، فلا أجد فيهم مثلك. قال معاذ: بلى، صلحاء الناس بحمد الله كثير، ولن يضيع الله أهل هذا الدين. خذ عني ما آمرك به: كن من الصائمين بالنهار، والمستغفرين بالأسحار، والذاكرين الله على كل حال، ولا تشرب الخمر، ولا تعقق والديك، ولا تأكل مال اليتيم، ولا تفر من الزحف، ولا تأكل الربا، ولا تدع الصلاة المكتوبة، وصل رحمك لله، وكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. وأنا لك بالجنة زعيم. ثم مات رحمه الله. فصلى عليه عمرو بن العاص.

وصية عبد الملك بن مروان

رحمه الله

٣٠ / ٧٩