التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٣٣

قال ابن دأب: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى يزيد بن عبد الملك فأوصه بالأمة خيراً فقال: وبم أوصيه ؟ إني لأعلم أنه من بني مروان. ثم أمر بالكتاب إليه: أما بعد. فاتق، يا يزيد، الصرعة بعد الغفلة فلا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة. تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك والسلام.

ويروى أن هشام بن عبد الملك لما احتضر نظر إلى حشمه ولحمته يبكون، ففتح عينيه فاطلع في وجوههم ثم قال: جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما خلف وتركتم عليه ما اكتسب ! ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له ! ولما احتضر معاوية أقبل على ابنة قرظة فقال: بكيني، فقالت: الهزج

ألا أبكيه ألا أبكيه … ألا كلّ الفتى فيه

ثم قال لابنتيه: قلباني. فجعلتا تقلبانه لجنب بعد جنب فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وفي كبة النار. ثم أنشد: الكامل

لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ … وسقى الغوادي قبره بذنوب

ثم قال ليزيد: إذا أنا قضيت فأحسن غسلي، واجعل في آخره مسكاً وكافوراً، وأحسن الصلاة علي ثم ادفني في لحدي ودعني وربي. فلما بلغ ابن عباس موته قال: الكامل

جبلٌ تصدّع ثمّ مال بجمعه … في البحر لا رتقت عليه الأبحر

وصية الربيع بن خثيم

وروى إسرائيل عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن مسروق الثوري عن منذر بن يعلى الثوري قال: أوصى الربيع بن خثيم: هذا ما أوصى الربيع بن خثيم: شهد أن لا إله إلا الله وكفى بالله شهيداً، وجازياً لعباده الصالحين ومثيباً. إني رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً. وإني أوصي نفسي ومن أطاعني أن يعبد الله في العابدين، ويحمده في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين.

وصية جندب بن عبد الله البجلي

وروى شعبة بن الحجاج عن يونس بن جبير قال: شيعنا جندب ابن عبد الله، فقلنا له: أوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله وبالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدي النهار، فاعلموا واعملوا به على ما كان من جهد وفاقة. فإن عظم بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن جاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك. واعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، واعلم أنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.

ولما حضرت الوفاة عمر بن هبيرة جزع وجعل يقول: لله در البغلات المسرجات الواقفات بأبواب السلطان. والله لوددت أني كنت راعي إبل مئة لرجل سيء الملكة.

ولما احتضر إبراهيم بن يزيد النخعي جزع جزعاً شديداً وجعل يقول: نفسي أعز الأنفس علي. فقيل له: يا أبا عمران، أتجزع هذا الجزع من الموت ؟ فقال: وأي غرر أعظم مما أنا فيه، إنما أتوقع رسولاً من ربي إما بجنة وإما بنار.

ويروى أن فتىً من الأعراب حضرته الوفاة، فنظر إلى أبيه وأمه يبكيان حواليه بكاءً ذريعاً، فقال: ما يبكيكما ؟ فقالا له: إنا لنعلم أن للموت ما تلد الوالدة، ولكن لزهو كان فيك. فقال: آلله، ما يبكيكما إلا ذاك ! فحلفا على ذلك فقال: فوالله الذي لا إله إلا هو ما يسرني أن إليكما من أمري ما إلى ربي.

ويروى أن رجلاً من أبناء فارس احتضر فجزع فقيل له: ما بك ؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفراً بعيداً بلا زاد، ويقدم على حكم عادل بلا حجة، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس ؟.

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي

٣٣ / ٧٩