التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

رحمه الله

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وأنبأنا أبو عبد الرحمن قال: أنبأنا أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: جاء أبو جهم بن حذيفة العدوي، وهو يومئذ ابن مئة سنة، إلى مجلس لقريش، فأوسعوا له عن صدر المجلس وقائل يقول: بل كان عروة بن الزبير مكان أبي جهم فقال. يا بني أخي، أنتم خير لكبيركم من مهرة لكبيرهم. قالوا: وما شأن مهرة وكبيرهم ؟ قال: كان الرجل منهم إذا كبر وضعف أتاه ابنه أو وليه فعقله بعقال ثم قال: قم. فإن استتم قائماً وإلا حمله إلى محبس لهم يجرى على أحدهم فيه رزقه حتى يموت. قال: فجاء شاب منهم إلى أبيه ففعل ذلك، فلم يستتم قائماً، فحمله فقال: أي بني إلى أين ؟ قال: إلى سنة آبائك، فقال: أي بني لا تفعل، فوالله لقد كنت أوعدك فلا أحقك، وأماشيك فما أبذك وأسقيك الدأدأة قال: وكانت العرب تقول: إذا سقي الغلام اللبن وهو قائم كان أسرع لشبابه فقال الفتى: لا جرم، والله، لا يذهب بك، فاتخذتها مهرة سنة.

وأخبر عبد الرحمن بن إسرائيل عن أشياخه قال: لما حضرت الوفاة سعيد ابن العاصي قال: يا بني، أيكم يكفل عني ديني ؟ قال عمرو بن سعيد: علي دينك يا أبه. كم هو ؟ قال: ثمانون ألف دينار. قال: وفيم استدنتها ؟ قال: في كريم سددت خلله، أو لئيم اشتريت عرضي منه، ثم قال سعيد: هذه خصلة وبقيت خصلتان. قال: ما هما يا أبه ؟ قال: يا بني لا تزوجن بناتي إلا من الأكفاء ولو بفلق خبز الشعير. قال: أفعل. قال: يا بني، ذهبت خصلتان وبقيت خصلة. قال: وما هي يا أبه ؟ قال: يا بني، إن فقد إخواني وجهي فلا يفقدوا معروفي. قال: أفعل يا أبه. قال: يا بني ما زلت أعرف الكرم في حماليق عينيك وأنت يحرك بك في مهدك حتى بلغت ما أرى. يا بني، ما شاتمت رجلاً مذ كنت رجلاً، ولا زاحمت ركبتاي ركبته ولا كلفت من يرتجيني أن يسألني فيبذل وجهه ويرشح جبينه رشح السقاء، إذن، والله، فما وصلته. يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً عن غير مسألة. فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه مخاطراً، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع ما تملكه ما كافأته، ولا الذي بات يتململ على فراشه يعقب بين شفتيه أيجدني موضعاً لحاجته أم لا، لهو أعظم علي منةً مني عليه، إذا قضيتها له وفي هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولكن عن الزبير بن أبي بكر قال: كانت علته التي مات فيها في ضيعة له بقرب المدينة، فلما اشتدت علته قال لابنه عمرو: يا بني، قد ترى ما نزل بي، فقال له عمرو: يا أبه، لو حملت إلى المدينة. فقال: يا بني، إن الحركة تتعبني، وإن أهلي لا يبخلون علي بحملي على رقابهم ساعةً. يا بني، إن ضيعتي هذه متريف وليست بمال غلة، فإذا أنا مت ففرغت من دفني، فوجه مطيتك نحو معاوية فانعني له، فإنه سيسألك عن ديني ويتضمنه، فأعلمه أني قد علمت ذلك وجزه خيراً. ثم قل له: يا أمير المؤمنين، إن له ضيعةً أمر ببيعها للقضاء دينه، فإنه سيشتريها منك، فاسأله أن يكتب لك بمالها إلى المدينة فاقم بها ديني وعداتي. فلما دفن كانت مطايا عمرو موقوفةً فعزي عنه، وركب يريد معاوية من ساعته حتى ورد عليه فنعاه له فتفجع وقال: ما خلف من الدين فهو علي. فقال: يا أمير المؤمنين، قد علم ذاك فوصلتك رحم، ولكنه أمرني ببيع ضيعة له وهي الفلانية. قال: قد اشتريتها بدينه، وكتب له بالمال إلى المدينة، فجاءه صعلوك من صعاليك قريش بصك على أبيه بعشرين ألف درهم، فيه شهادة مولىً له، فقال له: يا هذا، إني أعرف الخط وإني أنكر أن يكون لمثلك مثل هذا المال عليه، فدعا مولاه فقال له: أتعرف هذا ؟ فشهد به؛ فقال له: ما سببه ؟ فقال: إن أباك في وقت عزله وكان معاوية يوليه المدينة سنةً ويولي مروان ابن الحكم سنةً رآه وحده وقد ركب لبعض حاجاته، فسار معه حتى بلغها ورجع. فلما انتهى قال له: يا فتى، ألك حاجة ؟ فقال: لا، ولكني رأيتك مفرداً فأحببت أن أصل جناحك، فالتمس مالاً يهبه له فلم يحضره فقال لي: عجل علي بصحيفة، فكتب له بهذا ديناً عليه حالاً. فقال عمرو: إذن والله لا يأخذها إلا معجلةً منتقدةً.

٣٢ / ٧٩