التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من الشعر

الجزء ١ · صفحة ٦

كأنّه عند صدق القوم أنفسهم … باليأس تلمع من قدّامه البشر

ولا نعلم بيتاً في هذا المعنى من يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا، فإنما نملي هذا الضرب من العيون. ومثل ذلك قوله:

لا يتأرّى لما في القدر يرقبه … ولا تراه أمام القوم يقتفر

قال أبو العباس: وحدثنا الرياشي في إسناد ذكره قال: أنشد منشد أبا بكر الصديق رضي الله عنه قول زهير في هرم بن سنان: الكامل

أن نعم معترك الجياع إذا … خبّ السّفير وسابيء الخمر

ولنعم حشو الدرع أنت إذا … دعيت: نزال ولجّ في الذّعر

وترّهق النّيران يحمد في ال … لأواء غير ملعّن القدر

فجعل أبو بكر يقول عند كل بيت: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنشده:

والسّتر دون الفاحشات وما … يلقاك دون الخير من ستر

فقال: هكذا، والله، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: أشعر شعرائكم زهير.

ويروى من غير وجه حدثناه مسعود بن بشر وغيره أنه لما مات مخلد بن يزيد بن المهلب، حضره عمر بن عبد العزيز وصلى عليه ثم قال: الكامل

بكّوا حذيفة لا تبكّوا مثله … حتّى تبيد قبائلٌ لم تخلق

ثم قال: لو أراد الله بيزيد خيراً لأبقى له هذا الفتى. فهذا من الأبيات الجامعة كنحو ما ذكرنا.

ولقد أحسنت الكندية في قولها في إخوتها: الطويل

أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم … فماتوا وأطراف القنا تقطر الدّما

ولو أنّهم فرّوا لكانوا أعزّة … ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما

هوت أمّهم ماذا بهم يوم صرّعوا … بجيشان من أسباب مجدٍ تصرّما

والقائل: الوافر

ألا لهف الأرامل واليتامى … ولهف الباكيات على قصيّ

لعمرك ما خشيت على قصيّ … منيّة بين سلعٍ والسّليّ

ولكنّي خشيت على قصيّ … جريرة رمحه في كلّ حيّ

فأحسن الشعر ما خلط مدحاً بتفجع، واشتكاءً بفضيلة، لأنه يجمع التوجع الموجع تفرجاً، والمدح البارع اعتذاراً من إفراط التفجع باستحقاق المرثي وإذا وقع نظم ذلك بكلامٍ صحيح ولهجة معربة ونظم غير متفاوت فهو الغاية من كلام المخلوقين.

واعلم أن قول الخنساء من أجمل الكلام حيث تقول: البسيط

وإنّ صخراً لوالينا وسيّدنا … وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار

وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به … كأنّه علمٌ في رأسه نار

فجعلته موضعاً للسؤدد ومعنيّاً بأمر العشيرة لقولها: لوالينا وسيدنا، وجواداً مفضلاً نحاراً في وقت الأقتار والشتوة، ثم قالت: وإن صخراً لتأتم الهداة به فجعلته إمام الأئمة، ثم جعلته علماً والعلم: الجبل ، فلم تقتصر على ذلك حتى جعلت في رأسه ناراً، شهرةً في الكرم، وناراً على علم في الهداية.

وقول الله عز وجل: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام إنما هي الجبال. وقال جرير: الرجز

إذا قطعن علماً بدا علم

ومن عجيب ما قيل قول النابغة في حصن بن حذيفة إكباراً لشأنه، واستعظاما لموته، وتعجباً من ذهاب مثله: الطويل

يقولون حصنٌ ثمّ تأبى نفوسهم … وكيف بحصنٍ والجبال جنوح ؟

ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل … نجوم السّماء والأديم صحيح

فعمّا قليلٍ ثمّ جاء نعيّه … فظلّ نديّ الحيّ وهو ينوح

وذكرنا أوساً ومراثيه في فضالة بن كلدة الأسدي. وكان من خبره معه أنه قصده من أرض بني تميم، فلما قارب منزله، جالت به ناقته فرمت به فكسرت فخذه. فأقام ليلته مكانه لا يريم حتى إذا أصبح نظر وهو في عام خصيب إلى جوار من صبيات بني أسد، قد خرجن يجتنين الكمأة، فجعل ينسبهن حتى وقف على ابنة فضالة، فقال لها: خذي هذا الحجر فأتي به أباك، فقولي له: قد زارك ابن هذا، وخبريه بحالي، فلما أتته قال: أتانا، والله، بمدح كثير أو بذم كثير. فأتاه، فضرب قبةً، ولم يزل يعالجه حتى برأ.

قال الأصمعي: وفي بني أسد حذاقة بالجبر. قال: وسمعت أعرابياً من بني أسد يقول: أنا أجبر الناس لفك أو ترقوة. قال الأصمعي: وهما أشد ما يجبر. ففي ليلته تلك يقول: المتقارب

٦ / ٧٩