التعازي والمراثي محمد بن يزيد المبرد

باب من الشعر

الجزء ١ · صفحة ٧

خذلت على ليلةٍ ساهره … بصحراء شرجٍ إلى ناظره

تزاد ليالي في طولها … فليست بطلقٍ ولا ساكره

كأنّ أطاول شوك السّيال … تشكّ به مضجعي شاجره

وفي حليمة بنت فضالة بن كلدة التي ذهبت إلى أبيها برسالته يقول: الطويل

لعمرك ما ذمّت ثواء ثويّها … حليمة إذ ألقت مراسي مقعد

ولكن تلقّت باليدين ضمانتي … وحلّ بفلجٍ فالدّثينة عوّدي

ولم تلهها تلك التّكاليف إنّها … كما شئت من أكرومةٍ وتخرّد

سأجزيك أو يجزيك عنّي مثّوبٌ … وقصرك أن يثنى عليك وتحمدي

فأقام عند فضالة مدة يسيرة ثم مات فضالة ففيه يقول قصائد نذكر بعضها والمختار منها: قال أبو عبيدة: كان أوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية حتى نشأ زهير والنابغة فوضعا منه، ولكنه شاعر تميم غير مدافع. فمما قال فيه: المنسرح

أيّتها النّفس أجملي جزعا … إنّ الّذي تحذرين قد وقعا

إنّ الذي جمّع السّماحة والنّ … جدة والبأس والقوى جمعا

الألمعيّ الّذي يظنّ لك … الظّنّ كأن قد رأى وقد سمعا

والمتلف المخلف المرزّأ لم … يمتع بضعفٍ ولم يمت طبعا

والحافظ النّاس في تحوط إذا … لم يرسلوا خلف عائذٍ ربعا

وعزّت الشّمأل الرّياح وقد … أمسى كميع الفتاة ملتفعا

وشبّه الهيدب العبام من ال … أقوام سقباً ملبّساً فرعا

وكانت الكاعب الممنّعة الح … سناء في زاد أهلها سبعا

ليبكك الشّرب والمدامة وال … فتيان طرّاً وطامعٌ طمعا

وذات هدمٍ عارٍ نواشرها … تصمت بالماء تولباً جدعا

تأويل ما في هذه القصيدة مما ليس بواضح إلا بعد نظر: قوله: أيتها النفس اجملي جزعا إن الذي تحذرين قد وقعا. تقول العرب: الحذر أشد من الوقيعة. وإنما حق الشيء المتخوف أن يكون صاحبه مرتاعاً حذر وقوعه، فإذا وقع البأس ارتفع ذلك الحذر.

ومن ذلك ما يتدارسه الصالحون: إذا استأثر الله عز وجل بشيء فاله عنه.

ويحكى عن بعض الأعاجم من ملوكهم أنه مات له ابن فلم يجزع عليه، وأقبل على شأنه، فسئل عن ذلك فقال: إنما الروعة قبل وقوع المخوف، فإذا وقع فعلى اللبيب ألا ينسب إلى الوقوف متفكراً في إثر ما لا يدرك، ولكن ليزجر النفس عن خطائها، ويعمل الشغل فيما يجدي عليه.

وقوله: الألمعي الذي يظن لك الظن كأنه قد رأى وقد سمعا الألمعي: الحديد القلب الذي يوقع الشيء موقعه. وهذا مثل لا نعلمه لأحد قبله. وكان مولانا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوله بأوضح من هذا. كان يقول: لا يعيش بعلم أحد حتى يعيش بظنه، وقال الزبير بن العوام: لا عاش بخير من لم يره ظنه ما لم تره عينه. وقال عمرو بن العاص: ظن الرجل قطعة من علمه، ولسانه قطعة من عقله.

وقوله: المخلف المتلف قد جمع فيه ما يغني عن التفسير والتزيد إذ يقول: يتلف جوداً وكرماً، ويخلف نجدةً واكتساباً.

وقوله: لم يمتع بضعف أي لم يقرن به. تقول: أمتع الله بفلان أي أبقاه الله حتى يتمتع به أحباؤه. وكما قال جرير لعبد العزيز بن الوليد: الوافر

إذا جدّ الرّحيل بنا فرحنا … فأحسن ذو الجلال بك المتاعا

٧ / ٧٩