باب من الشعر
الجزء ١ · صفحة ٨وقوله ولم يمت طبعا يقال: طبع يطبع طبعاً إذا غلب عليه الحرص حتى يغطي على قلبه. ويقال: طبع السيف إذا ركبه الصدأ حتى يغطي على صميم الحديدة. وقوله: والحافظ الناس في تحوط يقال للسنة الجدبة: تحوط وقحوط بالتاء والقاف جميعاً. وقوله: إذا لم يرسلوا خلف عائذ ربعا العائذ: التي معها ولدها، فإذا كانت السنة الجدبة نحروا الفصال لئلا تضر بالأمهات. وقوله: وعزت الشمأل الرياح يقول: غلبت الرياح وتلك علامة الجدب والقحط، لأن الجنوب هي التي تأتي بالندى والمطر. ويقال عز فلان فلاناً إذا قهره. وقول الله جل ثناؤه: وعزني في الخطاب أي كان أعز مني في المخاطبة. وقولهم في المثل. من عز بز أي من غلب استلب. والكميع: الضجيع. يقال: كامعها. يقال أضحى كميعها ملتفعاً. والملتفع: الملتحف. فهو منقبض عنها مشغول بما يلاقي من القر. وقوله: وكانت الكاعب الممنعة الحسناء الكاعب: التي كعب ثدياها. قال الله جل وعز: وكواعب أترابا والممنعة: المحفوظة المخبأة، كانت كالسبع في زاد أهلها، وإنما من شأنها أن تترف وتنعم إذا كانت في هذه الصفة.
وقوله: وشبه الهيدب العبام فالهيدب: المسترخي، والعبام: الثقيل الذي لا يكاد ينبعث، فشبه في انقباضه بالسقب، وهو ولد الناقة إذا كان ذكراً، وإن كان أنثى فحائل. ملبساً فرعا أي قد جعل عليه جلد الفرع، وهو فصيل كانوا يتقربون به في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا فرع فأبطله الإسلام.
وقوله: وذات هدم فالأهدام خلقان الثياب، فيصف الفقيرة وأنه كان لها ملجأً. وقوله: عار نواشرها: من الضر والجوع والبؤس. والنواشر: عروق الذراع، كما قال زهير: الطويل
ودارٌ لها بالرّقمتين كأنّها … رواجع وشمٍ في نواشر معصم
وقوله تصمت بالماء أي تسكن طفلها بالماء، وتسكنه إذ لم يكن له ثفل. والجدع: السيء الغذاء، وكذلك الجحن والقتين.
ومما قال فيه مما اخترناه: المتقارب
ألم تكسف الشّمس والبدر وال … كواكب للجبل الواجب
لفقد فضالة لا تستوي ال … فقود ولا خلّة الذاهب
ألهفا على حسن أخلاقه … على الجابر العظم والحارب
على الأروع السقب لو أنّه … يقوم على ذروة الصّاقب
لأصبح رثماً دقاق الحصى … كمتن النّبيّ من الكاثب
ورقبته حتمات الملو … ك بين السّرادق والحاجب
ويكفي المقالة أهل الرّحا … ل غير معيبٍ ولا عائب
ويحبو الخليل بخير الحبا … ء غير مكبٍّ ولا قاطب
برأس النّجيبة والعبد وال … وليدة كالجؤذر الكاعب
وبالأدم تحدى عليها الرّجا … ل وبالشّول في الفلق العاشب
فمن يك ذا نائلٍ يسع من … فضالة في أثرٍ لا حب
هو الواهب العلق عين النّفي … س والمتعلّي على الواهب
نجيحٌ مليحٌ أخو مأقطٍ … نقابٌ يخبّر بالغائب
فأبرحت في كلّ خيرٍ فما … يعاشر سعيك من طالب
وهذه القصيدة أمليناها بأسرها لأنها جمعت تقدم كل بيت منها وكثرة المعاني والاختصار.
قوله: للجبل الواجب فالواجب: الساقط، يقال للبعير إذا برك فسمع صوت كركرته: وجب، وكذلك كل ساقط. قال أبو عبيدة: وأظن قولهم في الشيء: وجب أي وقع. وقوله: لفقد فضالة ثم قال: الأروع السقب، يعني فضالة. وهذا كقولك: إني لأثني على زيد، ثم تقول: على الشريف الكريم، وأنت تعنيه. والسقب: الطويل. وله مواضع هذا أحدها. والخلة: الخلل الذي قد تركه، وكان مسدوداً به. وأصل الخلة: الثلمة. يقال: فلان به خلة أي ليس أمره مستوياً، وفلان مختل الجسم كذلك.
وقوله لا تستوى الفقود، أي المصائب لاختلاف أوزان أهلها. فمن ذلك من يوجد منه العوض، ومنهم من يعسر وجود مثله. وأقول أنا: كمن أنشأنا هذا الكتاب من أجله، يبعد في الوهم إدراك نظيره ومدانيه، فضلاً عن مساويه.