باب من الشعر
الجزء ١ · صفحة ٩والصاقب الذي ذكر : جبل معروف بعينه. يقول: فلو تحامل عليه. وليس يقوم من القيام على القدم، ولكن من قولك: فلان يقوم بأمر أهله، ويقوم بهذا الأمر أي يدافع عنه. فيقول: لو دافع الجبل العظيم متحاملاً عليه لأصبح الجبل رثماً كظهر النبي وهو رمل بعينه من الكاثب، أي كمكان هذا من هذا. ومثله أبو عبيدة فقال: كقولك كظهر المربد من البصرة، والمرتوم المحطوم المدقوق. يقال: رتم أثفه أي دقه.
وقوله دقاق الحصى أي دقيق، مثل قولك: رجل طوال وطويل، وجسام وجسيم، وخفاف وخفيف.
وقوله ورقبته حتمات الملوك يقول: إذا أحتم على الملوك أمراً أو في أمر يخافه، أطاعه الملك وأجابه. ويقول بعضهم: هي الحتمة، وينشده حتمات مثل ظلمة وظلمات. وذكر قرب مكانه من الملوك فقال: بين السرادق والحاجب. وقوله ويكفي المقالة أهل الرحال يقول: إذا حضر استغني به عن غيره لبيانه وصوابه، فقد كفى من وراءه غير معيب عندهم ولا عائب لهم.
وهذه الأبيات إذا اعتبرت فأكثرها يشتمل البيت منه على معان. وقوله:
ويحبو الخليل بخير الحبا … ء غير مكبٍّ ولا قاطب
أي يتبع ما يفعله بأجمل البشر ولا يكب مفكراً يندم على ما فعل، ولا طالباً حيلة يدفع بها السائل، كما قال القائل: الكامل
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم … لتطلّب العلاّت بالعيدان
وقوله وبالشول في الفلق العاشب يقول: يعطيها في أحسن حالاتها. والفلق: المطمئن من الأرض، وهو موضع الكلأ لاستقرار الماء به. وكانت العرب تقول للرجل إذا حسنت إبله وسمنت: أخذت إبله رماحها، وأخذت إبله سلاحتها. واستنجدت عليه أي منعته أنفسها من أن توهب أو تنحر ضناً بها، كقول القائل: الخفيف
لا أخون الصّديق ما حفظ العه … د ولا تأخذ السّلاح لقاحي
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلك الفدادون إلا من أعطاها في نجدتها ورسلها، أي من أعطاها بسهولة ومع امتناعها لحسنها. وهو وقت نجدتها عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم لقيس بن عاصم: نعم المال الأربعون، والكثر الستون، وهلك أصحاب المئين إلا من نحر سمينها وأفقر ظهرها، ومنح غزيرتها، وأطرق فحلها، وأعطاها في نجدتها ورسلها.
وقالت ليلى الأخيلية: الطويل
ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها … لتوبة في صرّ الشّتاء الصّنابر
الفدادون: أصحاب الإبل الكثيرة وقوله نجيح مليح أخو مأقط يقول: هو في السلم سهل مبتذل حلو مقبول، ولا يمنعه ذلك من أن يكون جلداً في الحرب. والمأقط: موضع مجتلد القوم. وهو مع هذا فطن طبن، منقب طواف ببدنه وفكره، يظن فيصيب. فذلك قوله يخبر بالغائب.
وقوله نقاب أي منقب في الأمور، كما قال الله جل وعز: فنقبوا في البلاد، هل من محيص. وقال امرؤ القيس: الوافر
وقد نقّبت في الآفاق حتّى … رضيت من الغنيمة بالإياب
ومن هذا قيل للطرقات في الجبل: النقوب والنقاب، واحدها نقب.
وقال ابن الأيهم التغلبي يصف خيلا: الخفيف
وتراهنّ شزّباً كالسّعالي … يتطلّعن من ثغور النّقاب
وقال أيضاً يرثيه: الكامل
أأبا دليجة من لحيّ مفردٍ … صقعٍ من الأعداء في شوّال ؟
وإذا ذكرت أبا دليجة أسبلت … عيني فبلّ وكيفها سربالي
ومعصّبين على نواجٍ سدتهم … مثل القسيّ ضوامرٍ برحال
وقوارصٍ بين العشيرة تتّقى … داويتها وسملتها بسمال
لا زال ريحانٌ وفغوٌ ناضرٌ … يجري عليك بمسبلٍ هطّال
فلنعم وفد الحيّ ينتظرونه … ولنعم حشو الدّرع والسّربال
ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا … والخيل خارجةٌ من القسطال