الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الخِطاب الشِّعري

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

فهو لم يعرف التَّصوُّف من خلال القراءة فقط، وإنَّما عرفه بالنَّشأة، والحسِّ والسَّعي، وفي أعماله الإبداعيَّة نرى تأثيرًا كبيرًا بأقطاب العقيدة المتصوِّفة الكبار، وبما تركوه وأنجزوه من آثار مهمَّة في هذا المجال، فيقول:

يا خاتمَ القرآن، أيّة رحلة … ختّمتَ، تودُّ لو أنَّها إبداءُ

لك خاتمَ القرآن أجرُ … مجاهد، أنفاسه تضحية وفداءُ

خمسون عامًا، في رحاب الذِّكر … والآيات صادعة بها غرَّاءُ

خمسون عامًا، لمْ يهُْن لك في … سبيل الله صوتٌ، أو يبُحُّ نداءُ

يا رحلة علويَّة الأنفاس، يعجز … عن مداها الشِّعرُ والشُّعراءُ (1)

وفي قصيدة أخرى تدمع لها العيون، وترفُّ لها القلوب، ليس شفقة على حال الشَّاعر، وإنَّما وقفة ذهول أمام هذه النَّفس الشَّاعرة المتعلِّقة بحبل الله والمشبعة بالإيمان، حتَّى في أوقات الضِّيق تلجأ دائمًا لرحاب الله الواسعة ورحمته اللَّامتناهية، صابرة على البلاء، بل تجعل منه وسامًا يرفع من درجتها، ويقوِّي إيمانها، ويزيد في حبِّها لله. في قصيدة وبشِّر الصَّابرين التي يقول فيها الشَّاعر:

يَا رَبّ يَا ذا المِنّة المنّاحُ … أنتَ الرحيمُ، إذا قَسَتْ أتراحُ

وجَّهت وجهي للذي فطرَ السَّما … ء، فأشْرقَتْ في قلبيَ الأفراحُ

وتفتَّقَتْ للآي يَدْعوني توكْـ … كَلْ فالطَّريقُ يُضيئُه المصباحُ

يا ربّ أنتَ بَلَوْتَني وشفيتني … وأضأت قَلبي، كيف لا أرتاحُ (2)

(1) المصدر نفسه.

(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 394.