الخِطاب الشِّعري
الجزء ١ · صفحة ١١٠مُقَامِرا أزَيِّف الأرقامْ
وأدَّعي الكَفَافَ وَالعَفَافْ
كتبتُ عنكِ في جرَائد الصّباحِ والمساءْ
بالأحرف الكبيرة الحَمْرَاءْ (1).
إنَّ التَّساؤل مشحون بالخوف والعناء والتَّلهُّف، الذي ينطلق من لسان الذَّات الشَّاعرة، يكوِّن لنا صورًا تعكس الحياة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة في ذلك الوقت، حسب منظور الشَّاعر، معتمدًا على مرتكزات جعلت رموزها (الدُّوسيهات، سكرتيرة حسناء، سيَّارة سوداء، غريبة المقود، شرقيَّة الأوصاف، تقدَّمي الفكر، جيفارة … ) تنحصر في صور نتبيَّن من خلالها مدى الهمِّ المستكين في نفس الشَّاعر من واقع يمقته في إدارة بيروقراطيَّة وبعض الظَّواهر السِّلبيَّة التي ظهرت في المجتمع.
من هذا الجوِّ المتوتِّر، من البحث المتواصل في ظلِّ المتغيِّرات الحضاريَّة التي تلفُّ محيط الشَّاعر، ومن بين السُّكون والظَّلام في تصوير فوتغرافي مجازي (برَزْت لي بوجهك الوضيء، في ابتسامة الشَّهيد) دلالة على الوصول إلى المبتغى، إنَّه الوطني، الذي يتمنَّاه الشَّاعر بكلِّ ما يحمله من معاناة وأفراح ومقوِّمات وانتماءات داخل مجتمعه وأمَّته، هذه الأبيات هي استعراض لتجارب الحياة العامَّة في رأي شاعر، فهو يستعمل الشِّعر للتَّخفيف من آلامه وأحزانه (2)، ولكنَّه تحوَّل إلى الاتِّجاه المعاكس، الضِّفة الأخرى التي يعارضها ويحارب ما تدعو إليه.
لم يقف محمد ناصر عند حدِّ المشاركة في القضايا التي تهمُّ وطنه، لكنَّه نظم قصائد أخرى تناول فيها بعض ما يقع في البلدان العربيَّة، التي تكافح ضدِّ الظُّلم والاستعمار، على نحو ما يتَّضح في قصيدة درَّة في جبين النَّصر، التي يتناولها الشَّاعر في مناسبة اغتيال أحمد
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 136 - 137.
(2) محمد عبد المنعم خفاجي: "حركات التَّجديد في الشِّعر الحديث"، دار الوفاء لدنيا الطِّباعة والنَّشر، الاسكندرية، ط 1، 2002 م، ص 78.