الخِطاب الشِّعري
الجزء ١ · صفحة ١١٢خَسِئْتَ يَا زَمَنِي المَأْفُون يلْسَعنِي … سَوْطٌ (لشارونَ) فِي وَجْهِي ومُعتَقَدِي
وَإخْوَتي وَبَنُو عَمِّي تَمُدّ لَهُ … سَيْفا وَعَهْدا مِن التّسْلِيمِ للأبَدِ (1)
تتنامى القصيدة في هذا المقطع، أين يتطرَّق الشَّاعر إلى ومضات من الماضي العربي، وما آلت إليه حالة المسلمين من خنوع وذلَّة، إذ تأتي الأبيات زاخرة بعاطفة الغضب والسَّخط، مفعمة بالتَّصوير الموحي الشَّفَّاف، ممَّا يعطي للقصيدة نبضا لا يتوقَّف بانتهاء حياة محمد الدُّرَّة، بل يمتدُّ في جذور الماضي والحاضر إلى المستقبل، ويتَّضح ذلك بجلاء حين يقول:
دَع المَكَارِم لاَ تَرْحَل لبُغيَتِهَا … وَاقْعدْ فَإِنكَ فِي أمْن وَفِي رَغَد
وتَزْدهي (خيْبَرٌ) يُحيِي النّفاقُ بِهَا … سوقَ التّجَارَة، فَيَا لَلْغُبْنِ وَالنّكَد
وَ (طيبة) تحْتَ ظِلّ النّخْلِ سَاكنَةٌ … و (مكّةٌ) عَكفَتْ فِي البَيْتِ مِنْ كَمَد
و (قلْعَةُ العزّ) و (البتْراءُ) أوصَدَتَا … بَاب الجهَاد، فَمَا فِي البيْتِ مِنْ أَحَد
إلّا نَشيجًا عَلا يشْقَى بِه (بردَى) … يرْثي (بحمصَ) سُيوفَ الفَتحِ والجَلَد
عَادَتْ بِه فِتْية (عِنْدَ الجَنوبِ) لَهَا … مَلاحِمُ النّصْرِ وَالتّمْكينِ مِنْ أُحُدِ (2)
نلاحظ في هذا المقطع الملامح الإسلاميَّة، التي تكسب التَّجربة الشِّعريَّة عمقًا وخصوصيَّة حتَّى لو كان الموضوع ليس دينيًّا، فالشَّاعر في القصيدة ينطلق من موقف قومي عربي، ويجنح إلى استنهاض الهمم والغيرة على الإسلام والمسلمين في بلاد فلسطين، متوجِّها بهذا الخطاب الشِّعري إلى كلِّ العرب والمسلمين في الشَّرق والغرب، في طيبة مدينة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، إلى العراق، إلى الشَّام، إلى مصر، متمنِّيا عودة أمجاد الأمَّة، وآملاً وحدة الصَّفِّ الإسلامي.
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 377.
(2) المصدر نفسه، ص 377.