الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الخِطاب الشِّعري

الجزء ١ · صفحة ١١٦

غُرْبَتي تَكْفي، فَرُحْمَاكَ ودَادي!

حرِّقِي قَلبي فَإني لَسْتُ أنْسَى (1)

ويتِّكئ الشَّاعر على نفس التَّجربة الشِّعريَّة، ولكن بصورة عكسيَّة في قصيدة عزوبة الخمسين أين ترحل الزَّوجة لأداء فريضة الحجِّ، ويبقى شاعرنا في البيت رفقة أبنائه، تاركة إيَّاه يتخبَّط في شوقه وحنينه، فيقول:

رَفيقَةَ الدَّرب مَا سَافرت عَن خَلَدِي … فأنْتِ في القَلب وَالاحشَاء والبَصَر

مَا كنتُ أحْسَبُ يَوما بَعد رِحْلَتنَا … أن ترْحَلي، فأُعَاني الشَّوْق في كبري

أُحادثُ البَدرَ مَأْزُوما، فَيَهزَأ مِن … صبٍّ مُعَنّى، يقضّي اللّيلَ في سَهَرِ وَعفْتُ

سَئِمْتُ بُعدَكِ يَومَ العيد مُتَّكَئي … فيهِ بِسَاط الشَّاي وَالزَّهر (2)

إنَّه حبُّ الخمسين، في مجتمع تعوَّد على أنَّ الرَّجل لا يظهر مشاعره كاملة للمرأة، بحجَّة ألاَّ تغترَّ، وألاَّ ينقص ذلك من رجولته، لكن محمَّد ناصر لم يظهرها فحسب، بل فجَّرها وأثبت أنَّ في مجتمعنا أسرًا تعيش دفء الحياة ومعنى الحبِّ، وصرَّحَ بعشقه بل وبضعفه في غياب محبوبته حتَّى قال:

فبعدك اليَومَ لا سِحْر وَلا سَمَر … ودونك الدَّار كالصَّحراء والجُدُر

وَأسرتي طوِيَتْ، والقَلب مُكْتَئِب … بساط بهجتنا، والدمع في النَّظر

وَحَولِي الفَلَذَات الزُّغْبُ تَسْألني … عنِ اللّقَاء، وَلَمَّا تَنْأَ عَن نَظِري (3)

(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 65.

(2) المصدر نفسه، ص 226.

(3) المصدر نفسه، ص 227.