الخِطاب الشِّعري
الجزء ١ · صفحة ١١٧وتتنامى وتتسارع نبرات الشَّوق والحنين ضاغطة على نفسيَّة الشَّاعر وبدون بهرجة ولا تنميق، باندفاع حرٍّ، تبلغ التَّجربة الشِّعريَّة ذروة عطائها وشفافيتها في قوله:
أغَالِبُ الألَمَ المَغرُوزَ فِي كَبدي … بَحْرا مِنَ الشَّوْقِ في الأحْشَاءِ مُستَتر
توظيف الشَّاعر لمفردة "البحر" دليل على الشَّوق اللَّامتناهي واللَّامحدود، وهي من أهمِّ المفردات التي تغذِّي بناء القصيدة. وتستمرُّ التَّجربة الشِّعريَّة في التَّنامي لتقترب من حدود الحكمة والذَّود برحاب الله سبحانه وتعالى في قوله:
وَرََدّدِي في رحَابِ البَيْتِ دعْوتَنَا … إذ يَغْسِلُ الدمْع مَا في الْعُمْرِ مِن وِزر
وَمن يَدَيْنا اشتَبَكْنا ألْفَة وهَوَى … نُسَائِل الله صَفْوَ الْوِرْد وَالصَّدَر
هوَ الذي جَمَعَ القَلبَيْن فِي سَكَن … فَفِيهِ رِحلَتُنَا نَسْعى مَدَى العُمُرِ (1)
يدحض الشاعر محمد ناصر الافتراءات الكاذبة حول المجتمع الميزابي (2)، ونظرة هذا المجتمع للمرأة التي يجعل منها ذلك الشَّيء الخفيَّ الذي يسعى دائمًا - الرَّجل الميزابي- لإخفائه وعدم إظهاره للعيان، خوفَا منه أو عليه.
في قصيدة بين الحبِّ والكتب … تعبر الذَّات الشَّاعرة في مقاطع القصيدة بمونولوج يستحضر المرأة بكيانها، وبوصفها ذاتًا متناغمةً في أناه ومتوحِّدة فيها، فيقول:
قَالَتْ وَفي نَبَرَاتهَا غَضَب حَنُـ … ــونٌ، والمَحبّةُ قَد يُؤجّجُها الغَضَبْ
مَا هَذه؟ كُتُبٌ! أمَا تَكْفِي خَزَا … ئِنُك التي تَشْكُو اغُترَابك وَالتُّرَبْ
صحُف، مَجَلاَّت، مِلَفَّات، دَفَا … تِرُ، يَا إلَهي! مَا لِدَائكَ مجتَنَبْ!
إلى أن يصل في قوله إلى:
إِنْ كَان َ مَا تَخشَى النسَاء ضَرَائِرا … فَمِن الضّرَائِر مَا خُلِقنَ مِن الكُتُبْ
(1) المصدر نفسه، ص 229.
(2) نسبة إلى منطقة وادي ميزاب، في الجنوب الجزائري.