الخِطاب الشِّعري
الجزء ١ · صفحة ١١٨وإِذَا أَحَلَّ الله أربَعَ نِسْوَة … فَضَرائري - وَيلاه! - أَلْفٌ كَالجَربْ (1)
تعامل الشَّاعر في هذه الأبيات بمظاهر حسِّيَّة خارجية متمثِّلة في ثنائيَّة (الغضب والحنان)، (الاغتراب والدَّاء) ممَّا كوَّن صورة فنِّيَّة رائعة، إنَّها كلمات شكَّلت قمَّة مجرَّدة، ليست في تردُّد الصَّوت، وإنَّما في منعكسها على النَّفس رضا وتقبُّلا (2).
أمَّا في البيتين الأخيرين فقد كوَّن ملمحا نفسيًّا رائعًا، من خلال ربط ما هو مادي بما هو معنوي، أو بمعنى آخر حول ما هو جامد إلى حسِّي في قوله: فمن الضَّرائر ما خلقن من كتب، هكذا تحوَّلت البنية الجامدة غاية في الضُّعف والانحدار إلى فضاء من التَّحرُّك والحياة، يحاصر الحياة الزَّوجيَّة للشَّاعر، ويعكِّر صفوها، ولكن يبقى الحبُّ بسلطانه هو معلِّمه ومربِّيه ومرشده، بعد أن تسلَّم منه قيادة أمره، فإنَّ للهوى والحبِّ عند شاعرنا تفسيرًا خاصًّا للوجود، يختلف عن التَّفسيرات الاجتماعيَّة التي تزرع في الأفراد ألوانًا من السُّلوك، موزَّعة بين الخطإ والصَّواب، أو الممنوع والمسموح، أو المكروه والمحبوب، أو البعيد والقريب، أو العدوِّ والصَّديق، ولكن ندرك أبعاد ذلك الاختلاف (3) في رؤيته الإسلاميَّة للمرأة، أين يعاملها الشَّاعر بالرِّفق واللِّين، فيراها ذلك المخلوق الرَّقيق الذي يجب عليه أن يدلله، ويعبِّر له دائما عن حبِّه الصَّادق والأزلي في قوله:
إن غِبْتُ فِي كُتبي فَتِلْكَ سُويْعَة … يَزْدَاد حُبِّّي مِن تَوَهُّجِهَا لَهَبْ
إنْ غِبتُ فِكْرًا بَيْن أورَاقِي، ثِقِي … فالقلْبُ مِنْ وَلَهٍ بِقُربِكِ، لَمْ يغِبْ
أو طَابَ فِي الأدَبِ النّضِيرِ تجَوّلِي … فإِقَامَتِي في غَيْرِ حضنِكِ لَمْ تطِبْ
طَيرِي مَعِي، غَرّدْتُ فِي دُنيَا الْهَوَى … أو طِرْتُ حَولَكِ عَاشِقا دُنْيَا الأدبْ (4)
(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 302 - 303.
(2) فايز الداية: "جماليات الأسلوب والصُّورة الفنِّيَّة في الأدب العربي"، دراسات أسلوبيَّة، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ص 88.
(3) عبد القادر الرِّباعي: "جماليات المعنى الشِّعري"، ص 21.
(4) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 303 - 304.