الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الخصائص الفنِّيَّة للرُّؤية الإسلاميَّة في شعر محمد ناصر

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

وَكلّ قِطْعَةٍ مِنْ لَحْمِهَا تَحَوَّلَتْ عيونْ … (1)

مارس محمد ناصر القصَّة الشِّعريَّة في هذه القصيدة، حيث صوَّر من خلالها وضعًا اجتماعيًّا فاسدًا، تجتمع فيه كلُّ أسباب الفساد، من الخمر إلى الزِّنى إلى تكاثر أبناء الحرام الذين يجيئون على طريق الشَّقاء ليعيشوا مأساة قاسية، وقد بنيت على تقنيَّة فنِّيَّة هي الدَّراما، وعلى تقنيَّة نفسيِّة بلاغيَّة هي مبدأ السَّببيَّة، ومبدأ السَّببيَّة المحض يحيلنا على الخطاب النَّفعي - كما يقول طودوروف - والخطاب النَّفعي من شأنه أن ينطلق من الرُّؤيا النَّاضجة في الغالب (2).

إضافة إلى هذا المضمون الموحي يمكننا أن نتأمَّل عناصر التَّشكيل اللُّغوي والتَّصويري والدَّلالي، لندرك مدى تأثُّر الشَّاعر بهذا الواقع المرير، في أهمِّ أحياء العاصمة، وكيف أنَّ الشَّاعر يستقي العناصر الفنِّيَّة للقصيدة. فالإحالات التَّصويريَّة والرَّمزيَّة التي تزخر بها القصَّة الشِّعريَّة مستقاة من واقع يرفضه الشَّاعر والمتلقِّي بوجدانه وفكره، لأنَّها آفة دخيلة على المجتمع الجزائري المحافظ.

والشَّاعر في تفاعله الإيجابي مع الواقع العربي والإسلامي يتوحَّد همُّه الخاصّ بالعالم فيطرح صورة صادقة لهذا الهمِّ، صور يورد بها الواقع، لكنَّها وللأسف تفقد الأمل في تجاوزه، حيث يقول في أحد مقاطع قصيدته رسالة اعتذار (3) مستخدمًا في بنيته التَّصويريَّة إحالات تاريخيَّة وتراثيَّة عربيَّة عمَّقت المعنى:

يَا أوكَاموتو يَا بَطَلْ

يَا مَن تَحَدَّيْتَ الرَّدَى

فَصِرْتَ مضْرِبَ المَثَل!

بِحَقّ مَنْ يُعَطِّرُونَ الْقُدْسَ مِن دِمَائِهِمْ

(1) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 115.

(2) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 198.

(3) محمَّد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 118.