الخصائص الفنِّيَّة للرُّؤية الإسلاميَّة في شعر محمد ناصر
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وظَّف محمد ناصر اللَّهجة الخطابيَّة في قصائده، وهو يدرك مدى دور هذه النَّزعة من الإنقاص من القيمة الفنِّيَّة للقصيدة فيقول: وأحسب أنَّ الدُّكتور خرفي يضع أيدينا على السَّبب الوجيه الذي أنقص من قيمة تلك القصائد فنّيًّا، فهي على حدِّ تعبيره استجابة فوريَّة للمناسبة العابرة، وهذا بالذَّات، يعني أنَّ الشَّاعر إنَّما كان يكتب قصائده تحت إلحاح الانفعال الثَّائر، حين يطلب من الشَّاعر الأصيل ألَّا يكتب تحت الشُّعور الثَّائر (1).
لكنَّ الشاعر مارس العديد من المواقف الانفعاليَّة في إبداعه الشِّعري، وذلك للرُّؤية الإسلاميَّة المهيمنة على إبداعه، ولأنَّ وظيفة شعره - حسب رؤيته - تقتضي ذلك، حيث يقول في مقدِّمة ديوانه أغنيَّات النَّخيل: لا أخفي عدم رضاي عن العديد من القصائد في هذه المجموعة، ولكنِّي أثبتها لأنَّها تتعلَّق بأحداث عزيزة على نفسي (2)، كما يؤكِّد أنَّ قوَّة الانفعال وثورة الشُّعور لا يتوفَّر معها إنتاج فنِّي ذو قيمة، فلا بدَّ من فترة تهدأ فيها المشاعر، وتختمر فيها الأفكار التي يؤلِّفها الشَّاعر عن طريق تأمِّله في تجربته … فالتَّعبير الفنِّي أبعد ما يكون عن الاستسلام للمشاعر والخواطر استسلاما، يدفع الشَّاعر إلى التَّعبيرات المباشرة والجري وراء الصُّورة التَّقليديَّة، فيما يضرُّ الأصالة (3)، لكنَّنا نرى أنَّ المواضيع في هذه الحياة هي هي، والمهمُّ هو الشَّاعر الذي ينتشلها من الرَّتابة والملل إلى قمَّة الإحساس والسَّبك، فليس شعر محمد ناصر فلسفة للحياة، بل هو ممارسة للحياة في حدِّ ذاتها، كما يقول ستظلُّ قوَّة الشِّعر كامنة في عفويَّة تعبيره، وتصويره بطبيعته لحظة من لحظات الضَّعف الإنساني (4).
2. التِّكرار واستخدام أسلوب التَّداعي الحرّ (5). جاءت أغلب القصائد ذات النَّبرة الخطابيَّة مستخدمة أسلوب التَّداعي الحرّ؛ وهو الاتِّكاء على مفردة أو عبارة، والتَّداعي
(1) محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثُّوريَّة "، ص 212.
(2) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 23.
(3) ينظر محمد ناصر: "الشِّعر الجزائري من الرُّومانسيَّة إلى الثَّورية"، ص 213. نقلاً عن محمد غنيمي هلال، دراسات ونماذج في مذاهب الشِّعر ونقده، ص 30.
(4) المصدر نفسه، ص 220.
(5) عبد الله رضوان: "البنى الشِّعرية "، دراسة تطبيقيَّة في الشِّعر العربي، ص 50.