الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

كان كامنًا فيما يسبقه، فإنَّ ارتباط الحداثة بالأصل الواقعي والزَّمني، يقدِّم تصوُّرًا آخر لمفهومها، وهو الذي يقصده الحداثيُّون.

غير أنَّ الصَّواب هو أنَّنا نجد الحداثة حركة في الوعي، تنطلق من حالة رفض للخطِّ الثَّقافي القديم، إن على مستوى الشَّكل أو على مستوى المضمون (1).

أمَّا محمد توفيق أبو علي، فيميِّز بين الحداثة والمعاصرة بقوله: إنَّ المعاصرة تعني الانتساب إلى عصر ما، أمَّا الحداثة فهي الجدَّة التي لا تبالي بالأيَّام، والمأزق الذي يكتنف أكثر تجاربنا الإبداعيَّة الحديثة، وهو الجنوح نحو حيِّز دون آخر من هذين الحيِّزين (2).

من خلال هذه الآراء الثَّلاثة لنقَّاد إسلاميِّين، نلاحظ أنَّ الحداثة تعالج على مستويات فكريَّة مختلفة، فبعضهم ينطلق من معناها الظَّاهري السَّطحي الذي يعني التَّجدُّد والتَّطوُّر ومواكبة العصر، ويعني أنَّها تحمل أيقونة التَّغيُّر الحتمي في سنَّة الحياة، التي تجمع بين الثَّابت والمتغيِّر (3).

إنَّه المفهوم الذي نجده عند النَّحوي في الجزء الثَّاني من النَّصِّ السَّابق، الذي أشرنا فيه إلى وجوب التَّعامل مع المصطلح بمعناه الجديد الذي نعرفه مسبقا، بما يحمله من إشراق لغوي، والمفهوم نفسه يتكرَّر عند محمد توفيق أبو علي، الذي يعدُّ الحداثة هي الجدَّة التي لا تبالي بالأيَّام، أمَّا بعضهم فينطلق من كون الحداثة مقولة، والمقولات من شأنها أن تحيل إلى تصوُّرات فلسفيَّة، ومن ثمَّ يتعامل مع الحداثة كما لو أنَّها تدلُّ على فلسفة بعينها، تدرك من خلالها الحياة، ويفسِّر في ضوئها الكون والفنّ، أي العالم المدرك والعالم المتخيِّل، ومن هذه الزَّاوية عالجها الكثير من النُّقَّاد الإسلاميِّين (4).

وعند اتِّضاح مفهوم الحداثة بمعناه النَّقدي رفضه معظم هؤلاء النُّقَّاد، لأنَّه ينافي التَّصوُّر الإسلامي، ومن بين هؤلاء النُّقَّاد عدنان رضا النَّحوي الذي يقول: فالحداثة لفظة

(1) محمد حسين فضل الله: "حوار أدبي"، أنظر: أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 487.

(2) محمد توفيق أبو علي: "إشكاليَّة الإبداع في العشر العبير"، أنظر المرجع نفسه، ص 488.

(3) عدنان علي رضا النَّحوي: "الحداثة من منظور إيماني"، ص 21.

(4) أحمد رحماني: "النَّقد الأدبي المعاصر"، ص 489.