الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب

الجزء ١ · صفحة ٢٣٥

هذا ما يدركه محمد ناصر وينادي به ويسعى لتحقيقه، بقوله: إنَّ الدَّعوة إلى التَّجديد تبقى ضرورة حضاريَّة، وخطوة مهمَّة في التَّطوُّر والتَّقدُّم والوصول إلى الأفضل والأحسن والأكمل، ولكنَّ ذلك ينبغي ألاَّ يتمَّ على حساب التُّراث، ولا بتهميشه عن العمليَّة الحضاريَّة، ولا بقتل فعاليَّته التَّقدميَّة؛ لأنَّنا ندرك جيِّدًا كيف انتهت محاولات نسف التُّراث، فنسف ناسفوه أنفسهم (1).

لأنَّ الحداثة من المنظور الإسلامي قوامها الأصالة، ومن دون الأصالة يتوهَّم الأديب أن يكون مبدعًا، ولئن كانت المثاقفة، أو بتعبير أبي حيان التَّوحيدي المقابسة ضرورة من ضرورات العصر، فإنَّ ذلك لا يعني أبدًا إلغاء التُّراث والقيم والدِّين، ليحلَّ محلَّها تراث وقيم ودين غربي (2). هذا هو المبدأ الذي يقوم عليه التَّجديد الإسلامي والذي ينادي به محمَّد ناصر في نقده وأدبه.

الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب:

جاء مشروع الأديب محمَّد ناصر مؤسِّسًا مرتكزًا على خلفيَّة رؤية إسلاميَّة حضاريَّة، من أجل تأسيس مشروع أدبي فكري متكامل، يحمل بين طيَّاته خصوصيَّة اللُّغة، التي ينتمي إليها، وخصوصيَّة التُّراث النَّابع منه، فيظهر لنا تعدُّد العناصر التُّراثيَّة على تنوُّعها، في إنتاج الأديب محمد ناصر. ويظهر ذلك بجلاء من خلال استعماله للُّغة الفصيحة، والأساليب الشِّعريَّة والحكائيَّة القديمة، أو من خلال توظيفه للمادة التَّاريخيَّة في النَّثر والشِّعر، أو استعمال التِّقنيَّات المستمدَّة من أجناس الكلام العربي القديم، نرى ذلك كلَّه مع عدم الجمود على الماضي، وإنَّما استفاد منه بما يناسب الحاضر، مزاوجًا ذلك كلَّه بالتُّراث الإنساني العام، دون انبهار أو انقياد أعمى إليه، مؤكِّدًا على ضرورة الإدراك المعرفي، رافضًا أن يكون نسخة عن الحداثة الغربيَّة، وداعيًا أن يضع الأديب حداثته الخاصَّة بالأدب الإسلامي التي تحمي ذاته وانتماءه في الوقت نفسه، ولا تجعله تابعا لها، بل تكون له القاعدة الصَّلبة التي يحقِّق من خلالها وجوده في العالم.

(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 65.

(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 517.